القاهرة / حسين القباني / الأناضول
- الوزير المصري الأسبق حسام مغازي: قد تتفاعل إثيوبيا مع وساطة إيطاليا لإظهار الجدية وتحسين صورتها
- نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية صلاح حليمة: كثرة الوساطات تعني أن المرحلة تتطلب حسم
- المحلل السياسي عبد الشكور عبد الصمد: من النقاط المهمة لإثيوبيا عدم الحديث عن حصص المياه وما شابه
فتحت إيطاليا مسارًا جديدًا لمحاولة حل أزمة "سد النهضة" بين مصر وإثيوبيا، معلنة استعدادها للوساطة بين البلدين، وسط تحركات دولية لإعادتهما إلى طاولة المفاوضات المجمدة منذ 2024.
وينضم التحرك الإيطالي إلى مساعٍ أمريكية بدأت مطلع العام الجاري لإحياء المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا، في محاولة للتوصل إلى حل للأزمة الممتدة بينهما.
وأعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري، استعداد بلاده للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصل إلى حل لأزمة المياه بينهما.
وأفاد تاياني في مؤتمر صحفي مع نظيره المصري بدر عبد العاطي بالقاهرة، بأن بلاده مستعدة "للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة".
وأضاف أن إيطاليا مستعدة لتيسير حوار بين مصر وإثيوبيا في روما خلال الأسابيع المقبلة، حال رغب البلدين في ذلك، بحسب وسائل إعلام مصرية.
وتنضم الخطوة الإيطالية إلى مسار وساطة أمريكي معلن بدأ في يناير/ كانون الثاني 2026.
حينها، بعث الرئيس دونالد ترامب خطابًا إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، عرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف الوساطة والتوصل إلى حل نهائي وعادل للأزمة.
وفي يونيو/ حزيران الماضي جدد ترامب هذا التوجه خلال لقاء مع السيسي، مؤكدًا وساطته لإنهاء أزمة سد النهضة، وفق بيان للرئاسة المصرية آنذاك.
وبين مساري الوساطة الأمريكية والإيطالية، تلقت القاهرة دعمًا صريحًا من بكين بشأن أمنها المائي.
فخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، أكدت الصين، وفق بيان مشترك صادر في 2 سبتمبر الجاري، حق مصر في حماية أمنها المائي، وأيدت التزام دول حوض النيل بالقانون الدولي.
وتختلف مصر وإثيوبيا منذ سنوات بشأن سد النهضة الذي بدأت أديس أبابا بإنشائه على النيل الأزرق عام 2011، وسط مطالبة القاهرة بالتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيله بما يضمن أمنها المائي.
وأدى الخلاف إلى تجميد المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجددًا في 2024.
وفي تصريحات للأناضول، رأى مسؤولان مصريان سابقان أن علاقات روما الجيدة مع القاهرة وأديس أبابا قد تساعد في تقريب وجهات النظر، شريطة وجود إرادة إثيوبية للتوصل إلى اتفاق يحقق مصالح الجميع، بما يضمن التنمية لإثيوبيا وعدم المساس بالحقوق المائية لمصر.
في المقابل، رجح محلل سياسي إثيوبي قبول أديس أبابا استئناف المفاوضات من حيث المبدأ، لكن دون مناقشة الحصص المائية وثباتها أو زيادتها، معتبرًا أن القاهرة تراهن بصورة أكبر على الوساطة الأمريكية لما تملكه واشنطن من أوراق ضغط.
** اختبار إثيوبي
وقال رئيس الوفد الفني المصري الأسبق بمفاوضات سد النهضة حسام مغازي، إن "بعض الدول الصديقة مثل الولايات المتحدة أو إيطاليا تحاول نزع فتيل هذه الأزمة".
وأضاف أن ذلك يأتي "لا سيما وأن هناك بعض التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين في إثيوبيا، دولة المنبع بنهر النيل، تدور حول بناء سدود إثيوبية جديدة، والتحكم في المياه، وتلك التصريحات تثير بلا شك حفيظة دول المصب مصر والسودان".
وأوضح مغازي أن "إيطاليا لها علاقات ممتازة مع مصر، ولها أيضًا علاقات تاريخية وطيبة مع الجانب الإثيوبي، ولذلك ربما تكون شريكًا في التفاوض لتقريب وجهات النظر".
ورجح أنه "عندما يعلن الجانب الإيطالي عن هذه المساعي، فإنه بالتأكيد قد حصل على الضوء الأخضر من الجانب الإثيوبي وكذلك من مصر".
واستدرك مغازي: "لكن سعي إثيوبيا لخلق منافذ لها على القرن الإفريقي والبحر الأحمر قد يزيد الأمور تعقيدًا".
وأضاف أن دخول إيطاليا على خط الأزمة "ربما يكون أكثر إيجابية، وتتفاعل معه إثيوبيا لتحسين صورتها الخارجية ولتظهر بمظهر الجاد".
وتابع: "النوايا ستتضح بعد ذلك، وسنرى ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة بشأن تلك المساعي والموقف الإثيوبي".
** فرصة للتسوية
من جانبه، رأى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية صلاح حليمة، أن الحراك الدولي من أطراف ذات وزن وتأثير استراتيجي يشكل في مجمله "ضغوطًا قوية وحقيقية على الجانب الإثيوبي".
وأشار في هذا الصدد إلى "رسائل الصين غير المباشرة"، والتحرك الإيطالي، إلى جانب ما عبر عنه ترامب علنًا.
وعن توقيت التوصل إلى حل، قال حليمة إن تسوية أزمة سد النهضة "لن تتطلب أكثر من بضعة أشهر، حال توافرت لدى إثيوبيا الإرادة السياسية الصادقة للاستجابة للحقوق المشروعة وفق القانون الدولي والاتفاقيات المائية".
وأضاف أن الحل يتطلب أيضًا توجهًا إثيوبيًا نحو "بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة واحترام القوانين المنظمة".
وشدد على أن "صفحة قضية السد الإثيوبي لن تطوى أبدًا، ومصر لن تصمت على حقوقها المائية الوجودية، وستعتبر أي تهديد لها يصنف كعدوان صريح يجب دفعه ودرؤه بكافة السبل قبل وقوعه".
واعتبر حليمة أن كثرة الوساطات تعني أن المجتمع الدولي يدرك أن المرحلة المقبلة "تتطلب منتهى الجدية والحسم".
وأضاف: "إذا لم تقبل إثيوبيا وتجاوبت بالرفض، فإن المرحلة الثالثة والأخيرة ستكون باللجوء المباشر إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السادس من ميثاق المنظمة الدولية".
وتابع حليمة أنه في حال فشل المسار السلمي، فإن مصر قد تلجأ، وفق تقديره، إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، استنادًا إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51.
واعتبر أن أي تهديد للأمن المائي يسبب أضرارًا جسيمة لدول المصب "يعد عدوانًا يتعين درؤه ومنعه قبل وقوعه".
وتطالب القاهرة والخرطوم بالتوصل أولًا إلى اتفاق ثلاثي قانوني وملزم بشأن قواعد ملء السد وتشغيله، بما يضمن عدم الإضرار بحقوقهما ومصالحهما المائية.
في المقابل، ترى إثيوبيا أن تشغيل السد لا يستلزم توقيع اتفاق ملزم، وتؤكد أنها لا تعتزم الإضرار بمصالح أي دولة أخرى.
وفي 20 أغسطس/ آب الماضي، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رفض بلاده إقامة سدود إثيوبية جديدة على نهر النيل، مشددًا على "حق الدفاع الشرعي عن مصالحها وأمنها المائي".
** موقف إثيوبي
ولم تعلن أديس أبابا موقفًا من الوساطتين الإيطالية والأمريكية حتى الآن.
وقال المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إن "نجاح وساطة إيطاليا وواشنطن بين إثيوبيا ومصر يعتمد على مدى حرص أطراف القضية على نجاحها، وعدم وضع شروط تتسبب في فشل المفاوضات".
وأضاف: "من النقاط المهمة بالنسبة لإثيوبيا حصر المفاوضات حول تعبئة وتشغيل سد النهضة وعدم الحديث عن تضمين أي بند حول حصص المياه وما شابه ذلك".
وتابع: "لم يصدر موقف من أديس أبابا، لكن في الغالب إثيوبيا مع استئناف التفاوض وسبق أن دعت مصر لذلك".
وعن مدى تفاؤله بإمكانية نجاح وساطتي روما وواشنطن في نزع فتيل الأزمة، قال عبد الصمد: "ليس كثيرًا، لأن مصر تنتظر الوساطة الأمريكية التي تراها تملك أوراق الضغط لصالحها".
وتقدر حصة مصر من مياه نهر النيل بنحو 55.5 مليار متر مكعب.
ويتشارك حوض نهر النيل، الذي يمتد لنحو 6 آلاف و650 كيلومترًا، 11 دولة، هي بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والسودان ومصر.