إسطنبول/ الأناضول
** 12 دولة غربية، أغلبها أوروبية، أعلنت اعتزامها فرض قيود على تجارة السلع مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة
** مركز "غلوبال إيكو للتقاضي" تتبع سلاسل توريد منتجات وكشف طرق التزوير والتلاعب في بيانات منشأها بما يسمح بتسللها إلى أوروبا
تبذل دول أوروبية جهودا للتمييز في أسواقها بين المنتجات الإسرائيلية ومنتجات المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة.
لكن لا تزال منتجات المستوطنات تتسلل إلى هذه الأسواق، وفق تقرير بحثي، ما يثير تساؤلات عن كيفية تصديرها وإخفاء منشأها والتحايل على آليات التحقق الأوروبية.
وبعنوان "استيراد الاحتلال"، أصدر مركز "غلوبال إيكو للتقاضي" في يونيو/ حزيران 2026 تقريرا حول سلاسل توريد منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وهذا المركز هو منظمة أمريكية غير ربحية، تأسس عام 2018، بهدف ملاحقة ومساءلة الشركات والجهات الاقتصادية المتواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان ومصادرة الأراضي في الأراضي الفلسطينية والبلدات المتضررة.
وخلص التقرير إلى أن هذه السلع دخلت الأسواق الأوروبية عبر أنظمة تخفي مكان منشأها الفعلي.
وتتجه دول أوروبية إلى فرض عقوبات بالسجن قد تصل إلى 10 سنوات على أفراد وشركات تتعامل تجاريا مع المستوطنات الإسرائيلية، بحسب إعلام عبري.
وفي 8 سبتمبر/ أيلول الجاري، أعلنت 12 دولة غربية، في بيان مشترك، اعتزامها فرض قيود على تجارة السلع مع المستوطنات الإسرائيلية.
وطالبت كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة، إسرائيل بالوقف الفوري للتوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين.
ومنذ عام 1967، تحتل إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ويعتبر المجتمع الدولي المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة غير قانونية، ورغم ذلك تواصل إسرائيل الاستيطان.
وقال قيادي في الحراك الدولي الداعي إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها، في حديث للأناضول، إن المسؤولية لا تقتصر على المصدرين المتلاعبين في بيانات المنشأ، وإنما تشمل أيضا الجهات الرقابية الأوروبية.
ودعا الدول الأوروبية إلى التحقق بجدية من منشأ المنتجات التي تدخل أسواقها، وأن توقف، في حال ثبوت التلاعب، اتفاقية الشراكة والتجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وتفرض حظرا عسكريا عليها.
يركز تقرير "غلوبال إيكو للتقاضي" على الصادرات الزراعية، وبينها التمور والحمضيات والأعشاب والفواكه والخضروات، وهي من أكثر منتجات المستوطنات وصولا إلى أوروبا.
وبسبب عدم نشر إسرائيل ولا الاتحاد الأوروبي بيانات شاملة عن صادرات المستوطنات، ظل الحجم الحقيقي لهذه التجارة غير واضح لسنوات.
ولتوضيح كيفية وصول هذه السلع، فحص المركز سلاسل التوريد لثلاث شركات تصدير إسرائيلية رئيسة هي: حديكليم، ومهدارين المحدودة، ويوناتان للتعبئة والتسويق.
ويتتبع التقرير المنتجات من مزارع المستوطنات عبر منشآت التعبئة والموانئ الإسرائيلية قبل دخولها الأسواق الأوروبية.
ويحلل أكثر من 30 ألف وثيقة تصدير مرافقة لأكثر من 6800 شحنة زراعية بين أكتوبر/ تشرين الأول 2017 وفبراير/ شباط 2026.
ومن بين 5900 شحنة متجهة إلى أوروبا، احتوت 17.2 بالمئة منها على منتجات مستوطنات، أما بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي تحديدا، فبلغت النسبة 19.2 بالمئة.
ويفيد التقرير بأن المنتجات الزراعية من المستوطنات ليست نادرة أو عرضية، بل تشكل جزءا منتظما من الصادرات الزراعية الإسرائيلية إلى أوروبا.
وفق التقرير، يستخدم المصدرون ما يسميه "سلسلة التعتيم"، وهو نظام مصمم لإخفاء منشأ المنتجات في المستوطنات، وجعل تحديد منشأها الحقيقي صعبا.
ويرصد التقرير ثلاث طرق للتعتيم على المصدر، ويسمي الأولى "الإخفاء على مرأى من الجميع".
في هذه الطريقة، قد يدرج المصدرون موقع المستوطنة الفعلي، بما في ذلك الرمز البريدي، لكنهم يدرجون إسرائيل كبلد المنشأ، ما يطمس حقيقة أن السلع أُنتجت في مستوطنة.
وسلطات الجمارك الأوروبية، وليس المصدرين الإسرائيليين، هي المسؤولة عن التحقق مما إذا كان الرمز البريدي ينتمي إلى مستوطنة أم لا.
ويخلق هذا الوضع، بحسب التقرير، ثغرات تسمح للمنتجات الزراعية من المستوطنات بدخول أوروبا دون كشفها.
والطريقة الثانية يسميها التقرير "عناوين وهمية"، إذ يستخدم المصدرون عناوين داخل إسرائيل بدلا من موقع الإنتاج الفعلي، ما يجعل سلع المستوطنات تبدو وكأنها منتجة داخل إسرائيل.
أما الطريقة الثالثة فهي "الخلط"، فقبل التصدير تُخلط سلع المستوطنات في منشآت تعبئة أو تخزين مشتركة مع سلع مزروعة داخل إسرائيل، وفق التقرير.
وبمجرد دمجها، تحمل الشحنة وثائق منشأ إسرائيلية، ما يصعب على المستوردين ومسؤولي الجمارك تحديد أي المنتجات جاءت من المستوطنات.
وبحسب التقرير، فإن المسؤولية عن نجاح نظام التخفي "موزعة بين المصدرين الإسرائيليين والسلطات الأوروبية".
ويحدد التقرير مئات من شهادات المنشأ التي بدت متعلقة بمنتجات المستوطنات، بينما تطالب بالمعاملة التفضيلية المتاحة بموجب اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
ويشكك أيضا في صلاحية شهادات الصحة النباتية والشهادات العضوية الصادرة لمنتجات المستوطنات، إذ قد لا تلبي المتطلبات القانونية للاتحاد الأوروبي.
"ممارسة قديمة وليست ظاهرة جديدة".. هكذا وصف المنسق العام للجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات "BDS"، محمود نواجعة، ما خلص إليه التقرير بشأن التلاعب في بيانات منشأ سلع المستوطنات.
وقال نواجعة للأناضول إن منتجات المستوطنات يُعاد أحيانا تغليفها داخل إسرائيل أو في أماكن أخرى، ثم توضع عليها بيانات تدعي أنها أُنتجت داخل إسرائيل وليست في المستوطنات.
وأضاف أن الهدف هو تجاوز الإجراءات التي تميز بين المنتجات الإسرائيلية وتلك القادمة من المستوطنات.
ولفت إلى أن "التلاعب في أصل المنشأ ليس بالشيء الجديد".
وأردف نواجعة أن دولا في الاتحاد الأوروبي لم تتخذ في السابق إجراءات فعلية لمنع وصول هذه المنتجات إلى أسواقها.
واعتبر أن السلطات الأوروبية "غضت الطرف" عن تلك المنتجات، رغم وجود أنظمة يُفترض أن تميز بين المنتجات القادمة من إسرائيل وتلك المنتجة في المستوطنات.
وأكمل أن دولا أوروبية بدأت مؤخرا اتخاذ قرارات وإجراءات متعلقة بمنتجات المستوطنات، لكن يمكن تجاوزها في حال استمر التلاعب بأصل المنشأ وإعادة تقديم المنتجات على أنها إسرائيلية.
ودعا نواجعة هذه الدول إلى التحقق بجدية من منشأ المنتجات التي تدخل أسواقها، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى البيانات الواردة في الوثائق التجارية.
وشدد على ضرورة تتبع المنتجات من مكان إنتاجها وحتى منشآت التعبئة والتصدير، للتحقق مما إذا كانت قادمة من المستوطنات أم من داخل إسرائيل.
ورأى أن المطلوب هو "التحقيق وإثبات التلاعب في أصل المنشأ، وهو ما يخالف القانون الدولي، والقواعد المنظمة للتجارة والاقتصاد الدولي، والقوانين والأنظمة المعمول بها في الاتحاد الأوروبي".
وقال إن المسؤولية لا تقتصر على الشركات والمصدرين الذين يتلاعبون في بيانات المنشأ، وإنما تشمل أيضا الجهات الرقابية التي تسمح باستمرار تسلل هذه المنتجات إلى أسواقها.
ودعا نواجعة الدول الأوروبية، التي اتخذت قرارات ضد منتجات المستوطنات، إلى إجراء تحقيقات لإثبات التزوير والتلاعب في أصل المنشأ، تمهيدا لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه إسرائيل.
وتابع أن حركة "BDS" تطالب، في حال ثبوت هذه المخالفات، بإجراءات تتجاوز القيود المحدودة على منتجات المستوطنات، وصولا إلى وقف اتفاقية الشراكة والتجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
كما تطالب الحركة بفرض حظر عسكري على إسرائيل، ما يمثل استجابة أكثر جدية للمسؤوليات السياسية والقانونية للدول الأوروبية، وفق نواجعة.
وللتعامل مع هذا الواقع، اتخذت دول أوروبية مقاربات مختلفة تجاه منتجات المستوطنات، تتراوح بين حظر الاستيراد والدعوات إلى قيود أقوى على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، لا يوجد حظر شامل على الواردات من المستوطنات الإسرائيلية، لكن القضية تبدو أنها تقترب منه.
وفي يوليو/ تموز، قدمت المفوضية الأوروبية للدول الأعضاء خيارات تشمل حظرا للاستيراد الكامل أو الجزئي، وغرامات، ونظام ترخيص للاستيراد.
وناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في 13 يوليو/ تموز الماضي، هذه المقترحات، وحظي الحظر الكامل بأكبر دعم، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق بعد.
واعتمدت هولندا حظرا وطنيا على استيراد وشراء وبيع سلع المستوطنات الإسرائيلية، وبدأ سريانه في 22 سبتمبر/ أيلول الجاري.
وبعد موافقة حكومة أيرلندا، أقر برلمانها في يوليو/ تموز الماضي مشروع قانون لحظر استيراد سلع المستوطنات باعتبارها "جريمة".
وسبق أن حظرت كل من إسبانيا وبلجيكا استيراد هذه المنتجات، فيما تدفع فرنسا والسويد نحو مقاربة أوروبية مشتركة، بدلا من إجراءات وطنية منفصلة.
وفي رسالة وجهتها في أبريل/ نيسان 2026 إلى المفوضية الأوروبية، دعت الدولتان إلى إجراءات إضافية تستهدف منتجات المستوطنات.
وسبق أن ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن بعض منتجات المستوطنات عُرضت على أنها منتجة داخل حدود عام 1948، لتجاوز قرارات حظر أوروبية.
وتتباهى حكومة بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، بأنها منذ تشكيلها أواخر عام 2022 أقرت إقامة 104 مستوطنات جديدة، بينما أقامت 160 بؤرة استيطانية زراعية في الضفة الغربية المحتلة.
ويحذر الفلسطينيون من أن إسرائيل تمهد، عبر التوسع الاستيطاني واعتداءات الجيش والمستوطنين، لضم الضفة الغربية رسميا، بما يقوض إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في قرارات صادرة عن الأمم المتحدة.
وفي عام 1948، أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجّرت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
