60 ألف زائر يوميا.. السوق المصري بإسطنبول ينبض منذ 4 قرون (تقرير)
في الحلقة الثانية من ملف "أسواق وخانات إسطنبول"، ترصد الأناضول كيف نجح السوق التاريخي، الذي يعود إلى أربعينيات القرن السابع عشر، في الجمع بين دوره التراثي ووظيفته الاقتصادية الحديثة
Kazım Kaan Ulu, Mücahit Enes Sevinç, Hişam Sabanlıoğlu
20 يونيو 2026•تحديث: 20 يونيو 2026
İSTANBUL
إسطنبول/ قاآن أولو، مجاهد أنس سوينج/ الأناضول
* أستاذ التاريخ بجامعة مرمرة فهمي يلماز:
- السوق المصري كان مركز توزيع رئيسي لتجارة التوابل بين إسطنبول والبلقان
- جزء كبير من السلع الاستهلاكية التي كانت تصل إلى إسطنبول كان يمر عبر مصر ما أدى إلى ارتباط السوق بهذا الاسم
** رئيس جمعية التضامن وحماية تجار السوق المصري سامي قوينجو:
- 80 بالمئة من نشاط السوق يتركز في تجارة التوابل والمكسرات
- ينشط في السوق 120 متجرا طوال الأسبوع يوفر كل منها 7 إلى 8 فرص عمل
- السوق ليس مركز بيع فقط بل مساحة عرض دولية دائمة للمنتجات التركية والعالمية
رغم مرور نحو أربعة قرون على تأسيسه، يواصل السوق المصري في إسطنبول أداء دوره كمركز تجاري وسياحي رئيسي، مستقبلا نحو 60 ألف زائر يوميا، ومحافظا على مكانته كأحد أبرز معالم الذاكرة الاقتصادية والتجارية للمدينة.
وفي الحلقة الثانية من ملف "أسواق وخانات إسطنبول"، ترصد الأناضول كيف نجح السوق التاريخي، الذي يعود إلى أربعينيات القرن السابع عشر، في الجمع بين دوره التراثي ووظيفته الاقتصادية الحديثة، من خلال عشرات المتاجر التي ما تزال تنشط في تجارة التوابل والمنتجات التقليدية وتستقطب زوارا من مختلف أنحاء العالم.
أستاذ التاريخ في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة مرمرة فهمي يلماز، قال إن إسطنبول كانت عبر التاريخ واحدة من أهم المدن العالمية، وإن السوق المصري لعب دورا محوريا داخل منظومة الإنتاج وشبكات التجارة المحلية والدولية التي مرت عبر المدينة.
وأوضح يلماز للأناضول أن السمة التاريخية الأبرز للسوق تمثلت في تجارة التوابل، مشيرا إلى أن جزءا كبيرا من السلع الاستهلاكية التي كانت تصل إلى إسطنبول خلال العهد العثماني كان يمر عبر مصر، ما أدى إلى ارتباط السوق بهذا الاسم.
وأضاف أن السوق لم يخدم إسطنبول وحدها، بل أدى دورا مؤثرا في تنظيم الحركة التجارية داخل الأناضول، وفي مناطق البلقان التي كانت تعرف تاريخيا باسم "روملي" في العهد العثماني.
وأشار إلى أن التوابل القادمة من الشرق الأقصى كانت تصل أولا إلى السوق المصري، حيث توزع على التجار المحليين قبل إعادة إرسالها إلى تجار الجملة في إسطنبول ومدن أخرى، ما جعله أحد أهم مراكز التجارة الإقليمية في تلك المرحلة.
تاريخ وتجارة
وأكد يلماز أن السوق لم يكن مجرد مركز لبيع السلع، بل أدى دورا حيويا في تسهيل وصول سكان إسطنبول إلى احتياجاتهم اليومية.
وأضاف أن موقعه في قلب المدينة التاريخية ساهم في تعزيز أهميته التجارية لعقود طويلة.
ولفت إلى أن السوق شهد تحولات كبيرة خلال فترة الجمهورية التركية، إذ اندلع فيه حريق كبير عام 1940 أدى إلى تراجع نشاطه التجاري لفترة مؤقتة، قبل إعادة ترميمه وافتتاحه مجددا عام 1943.
وأوضح أن أعمال ترميم شاملة أُنجزت خلال العقدين الماضيين، ليستعيد السوق شكله الحالي عام 2018.
وشدد يلماز على أن النظر إلى السوق باعتباره مجرد مبنى تاريخي يعد فهما ناقصا لدوره الحقيقي، موضحا أنه أسهم في تحويل الثقافة والتاريخ التجاري لإسطنبول إلى علامة معروفة خارج تركيا.
وأضاف أن نماذج مشابهة من الأسواق التاريخية وجدت في مناطق مختلفة كانت ضمن النظام التجاري العثماني، مثل مصر ودمشق ومنطقة البلقان، مؤكدا أهمية الحفاظ على هذا الإرث التاريخي.
120 متجرا ومئات فرص العمل
من جانبه، قال رئيس جمعية التضامن وحماية تجار السوق المصري سامي قوينجو، إن السوق بدأ نشاطه منذ أربعينيات القرن السابع عشر، وكان أحد المراكز التي تباع فيها البضائع القادمة عبر السفن الأجنبية خلال العهد العثماني.
وأوضح في حديثه للأناضول أن العائدات المالية للسوق كانت تخصص تاريخيا لدعم الجامع الجديد (يني جامع) والمؤسسات الوقفية المرتبطة به، مشيرا إلى أن هذا التقليد المرتبط بنظام الأوقاف ما يزال مستمرا حتى اليوم.
وأضاف أن نحو 80 بالمئة من النشاط التجاري داخل السوق يتركز في تجارة التوابل والمكسرات، لكنه تحول مع مرور الزمن إلى فضاء يجمع بين النشاط الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
وقال إن السوق يمثل نقطة التقاء لزوار من عشرات الجنسيات المختلفة، مضيفا أنه لا يشكل مجرد سوق تجاري، بل جزءا من الحياة اليومية والثقافة الحضرية في إسطنبول.
وأشار إلى أن السوق يضم نحو 120 متجرا ويعمل طوال أيام الأسبوع، لافتا إلى أن كل متجر يوفر في المتوسط فرص عمل لسبعة أو ثمانية أشخاص.
وأضاف أن طبيعة السوق الدولية تفرض وجود موظفين قادرين على التواصل مع الزوار من جنسيات متعددة، ولذلك يتحدث عدد كبير من العاملين ثلاث أو أربع لغات إلى جانب امتلاكهم مهارات تواصل عالية.
وأكد أن السوق يمثل جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة ساهمت في تحويل المنطقة المحيطة به إلى مركز جذب تجاري كبير.
وقال إن وجود السوق التاريخي أدى إلى ازدهار الأنشطة الاقتصادية المحيطة به، حيث تنتشر بالقرب منه متاجر الأقمشة ومحال الخرز التقليدي والمطاعم والمحال التجارية التي ما تزال تعتمد على أنماط التجارة التقليدية.
60 ألف زائر يوميا
وأشار قوينجو إلى أن التطورات السياسية والاقتصادية العالمية تؤثر بطبيعة الحال على حركة السياحة الدولية، موضحا أن الصراعات المستمرة في الشرق الأوسط أدت خلال الفترة الأخيرة إلى انخفاض نسبي في أعداد السياح القادمين من بعض دول المنطقة.
لكنه أكد أن السوق ما يزال يحتفظ بجاذبيته الكبيرة، موضحا أن عدد زواره يتراوح يوميا بين 50 و60 ألف شخص.
وأضاف أن خصوصيته تكمن في كونه يخدم السياح الأجانب والمستهلكين المحليين في الوقت نفسه، إذ يجمع بين وظيفتي السوق التجاري والوجهة السياحية.
وأوضح أن الزبائن المحليين يقصدونه بحثا عن منتجات لا تتوفر بسهولة في المتاجر التقليدية أو الأسواق الحديثة.
وأشار إلى أن طبيعة الزوار تختلف بحسب المواسم، مع ارتفاع أعداد السياح القادمين من إسبانيا ودول أمريكا اللاتينية واليونان، إلى جانب زوار من جنسيات متعددة على مدار العام.
وذكر أن السوق يشهد خلال عيدي الفطر والأضحى ومناسبات دينية وثقافية مختلفة حركة ازدحام كبيرة تجعله أشبه بمساحة احتفالية مفتوحة.
معرض عالمي دائم للمنتجات
وأكد قوينجو أن المكانة التجارية التي يحتفظ بها السوق منذ قرون تعد أحد أهم أسباب استمرار قوة النشاط الاقتصادي في المنطقة المحيطة به.
وأوضح أن كثيرا من الزبائن يقصدون السوق انطلاقا من قناعة راسخة بأن أفضل المنتجات يمكن العثور عليها داخله.
وأشار إلى أن معظم التجار العاملين فيه يمارسون المهنة منذ عقود طويلة، وغالبا ما تنتقل المتاجر والخبرة التجارية من الآباء إلى الأبناء عبر أجيال متعاقبة.
وقال: "هذه الثقافة التجارية التقليدية أسهمت في ترسيخ مبدأ يقوم على تقديم أفضل جودة ممكنة للمنتجات، وهو ما حافظ على سمعة السوق عبر السنين".
وأوضح أن السوق يستقبل أيضا منتجات من مختلف أنحاء العالم، بما ينسجم مع طبيعته التاريخية كمركز دولي للتبادل التجاري.
ولفت إلى أنه يؤدي دورا مهما في الترويج للمنتجات المحلية القادمة من مختلف مناطق الأناضول.
وختم قائلا: "السوق المصري لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مكان للبيع والشراء، بل مساحة عرض دولية دائمة تشبه المعارض التجارية الكبرى، وتعكس التراث التجاري العريق الذي تميزت به إسطنبول عبر قرون طويلة".
60 ألف زائر يوميا.. السوق المصري بإسطنبول ينبض منذ 4 قرون