Ömer Koparan, Hişam Sabanlıoğlu, Mehmet Burak Karacaoğlu
25 يونيو 2026•تحديث: 25 يونيو 2026
حلب/ عمر قوباران/ الأناضول
** الفنان والمرمم الحلبي نعمت بدوي، في حديث مع الأناضول:
- مع اندلاع الحرب وجدت نفسي أمام مسؤولية تتجاوز العمل الفني التقليدي فإنقاذ الآثار والموروث الثقافي تحول إلى واجب إنساني وثقافي
- أولى مساهماتي كانت خلال سنوات الحرب الأولى وتمثلت في إنقاذ سقف دير تاريخي تعرض لأضرار كبيرة إثر سقوط صاروخ عليه
- بعض عمليات الترميم تحتاج إلى فترات طويلة من العمل الدقيق فترميم لوحة مرسومة على قماش كتاني قد يستغرق ما بين ستة وسبعة أشهر
- أنقذت لوحة لفنان بلجيكي تعود إلى العام 1816 وأعمال فنية أنجزها فنانون أرمن قبل قرون ورممت لوحة قبة ضخمة بمساحة 700 مترمربع
في حلب، إحدى أكثر مدن سوريا تضررًا من سنوات الحرب (2011-2024)، يواصل الفنان والمرمم نعمت بدوي جهوده لإنقاذ ما تبقى من إرث ثقافي وتاريخي تعرض لدمار واسع.
وكرس بدوي، الذي التقته الأناضول، سنواته الأخيرة لإعادة إحياء مئات القطع الفنية والمعالم التاريخية التي تضررت خلال الحرب، للحفاظ على جزء من الذاكرة الثقافية للمدينة الشمالية.
قبل اندلاع الحرب، كان الفنان السوري يدير مركزًا فنيًا في حلب قدّم من خلاله تدريبات فنية لمئات الطلاب، وتخصص خلال دراسته بإيطاليا في مجالات الفن البيزنطي واليوناني القديم ورسم الأيقونات الدينية.
وبرغم الظروف التي فرضتها الحرب، رفض مغادرة حلب، مفضلًا تكريس جهوده لإنقاذ الأعمال الفنية والمواقع التراثية التي تضررت جراء القصف والمعارك.
وفي هذه الفترة، عمل بدوي على ترميم مئات القطع الفنية، بدءًا من مجموعات فنية خاصة، وصولًا إلى قباب كاتدرائيات تاريخية ولوحات فنية قديمة وأيقونات دينية تعود إلى كنائس وأديرة تاريخية.
** واجب إنساني وثقافي
وقال بدوي، في مقابلة مع الأناضول، إنه ارتبط بالفن منذ طفولته، ومع اندلاع الحرب وجد نفسه أمام مسؤولية تتجاوز العمل الفني التقليدي.
واعتبر أن إنقاذ الآثار والموروث الثقافي في تلك الظروف تحول إلى "واجب إنساني وثقافي".
وأضاف أن أولى مساهماته جاءت خلال سنوات الحرب الأولى، عندما تعرض دير تاريخي يقع ضمن "المستشفى الإيطالي" في حلب لأضرار كبيرة، إثر سقوط صاروخ أدى إلى انهيار جزء من الجدار والسقف.
وذكر أن الدير، الذي يعود عمره إلى نحو 150 عامًا، كان يضم سقفًا منفذًا وفقا للطراز الفني الباروكي، ويحمل رسومات أنجزها فنان حلبي.
وأوضح أن المهمة تمثلت بإنقاذ هذا السقف التاريخي، وأردف: "تمكنا أنا وشقيقي بشير من إنقاذ الموقع وترميم السقف، وإعادة رسم أجزاء كبيرة منه".
وأفاد بأنه خلال سنوات الحرب اكتشف مع فريقه عددًا كبيرًا من الكنوز الثقافية التي بقيت مخفية أو مهملة داخل مخازن قديمة وفي ظروف حفظ سيئة.
وزاد بأن الطلبات التي تلقاها من كنائس وأديرة وأصحاب مجموعات فنية خاصة دفعت فريقه إلى تحويل مساحات العمل المتاحة إلى مختبرات ترميم متخصصة لتسريع عمليات الإنقاذ.
** دعوات خارجية
بدوي قال إن أعمال الترميم التي نفذها في حلب لفتت اهتمام أوساط فنية دولية.
وأضاف أن فريقه تلقى دعوة للمشاركة في مؤتمر نظمه "متحف اللوفر" في فرنسا، ضم مرممين وخبراء آثار من دول مختلفة.
وبيَّن أن مشاركتهم جاءت نتيجة دورهم في إنقاذ آثار حلب، وعرضوا خلال المؤتمر وثائق وصورًا وتسجيلات توثق عمليات الترميم التي نفذوها.
وأفاد بأن هذه المشاركة فتحت أمامه فرصة استثنائية لاحقًا، عندما تلقى دعوة للمساهمة في مشروع فني أعقب الحريق الكبير الذي تعرضت له "كاتدرائية نوتردام" في باريس.
وأوضح أنه كُلف في تلك المرحلة برسم أيقونة دينية تمثل القديس إغناطيوس الأنطاكي، وهو إحدى الشخصيات المسيحية التاريخية المرتبطة بمنطقة أنطاكية التاريخية (جنوبي تركيا).
** تجسيد لمأساة حلب
كما عرض بدوي، خلال المؤتمر، عملًا فنيًا لم يكتمل بعد، قال إنه يعكس المأساة التي عاشتها حلب خلال سنوات الحرب.
وأوضح أن المواد التي استخدمها في هذا العمل تحمل بدورها رمزية مرتبطة بالدمار الذي أصاب المدينة.
وقال: "هناك حزن كبير تجاه المدينة التي امتلأت ببيوت مدمرة".
وذكر أن "إحدى القطع الخشبية التي استخدمتها مأخوذة من خزانة داخل منزل مدمر، بينما قطعة أخرى جاءت من منزل شقيقي الذي أصابه صاروخ".
وأضاف أنه اعتاد التجول في أحياء حلب القديمة والمناطق التي تعرضت للدمار، لجمع بقايا معدنية مثل البراغي والمفصلات وشظايا الصواريخ والقنابل.
وأوضح أنه بالنسبة إليه ترمز هذه القطع المعدنية المتآكلة إلى الإنسان السوري نفسه، الذي استنزفته الحرب تمامًا، كما استُنزف الحديد بفعل الانفجارات والدمار.
** جهود مضنية ودقيقة
ومشددا على الجهود الكبيرة التي يبذلونها، قال بدوي إن بعض عمليات الترميم تحتاج إلى فترات طويلة جدًا من العمل الدقيق.
وبيَّن أن ترميم إحدى اللوحات المرسومة على القماش الكتاني، والتي يعود عمر بعضها إلى نحو 300 عام، قد يستغرق ما بين ستة وسبعة أشهر.
وشبه هذه العملية شديدة الدقة بـ"الحفر بإبرة داخل بئر"، في إشارة إلى حجم التركيز والصبر الذي تتطلبه عمليات الترميم المتخصصة.
وتمكن بدوي حتى الآن من إنقاذ عدد كبير من الأعمال التاريخية المهمة، بينها لوحة لفنان بلجيكي تعود إلى عام 1816 داخل "الكاتدرائية المارونية".
وكذلك ترميم لوحة قبة ضخمة بمساحة 700 متر مربع داخل "الكنيسة السريانية الكاثوليكية"، وهي إحدى أكبر الرسومات القبية بمنطقة الشرق الأوسط.
كما أفاد الفنان السوري بأنه تمكن من إنقاذ عدد من الأعمال الفنية التاريخية التي أنجزها فنانون أرمن قبل قرون.
** إعادة بناء الإنسان والمدن
بدوي قال إنه سيواصل العمل على حماية الإرث الثقافي لحلب، ويأمل في رؤية المدينة تستعيد استقرارها بعد سنوات طويلة من المعاناة.
وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تمكن الثوار السوريون من الإطاحة بنظام بشار الأسد (2000- 2024)، الذي ورث الحكم عن والده حافظ.
وقال بدوي إن الحرب، التي استمرت نحو 14 عامًا، أنهكت السكان بمختلف توجهاتهم السياسية، والجميع بات يشعر بالإرهاق.
وأردف أن ما تحتاجه البلاد اليوم هو استعادة الاستقرار الاقتصادي وعودة الناس إلى العمل والتعليم، بما يسمح بإعادة فتح آفاق جديدة أمام المجتمع.
وشدد على أن سوريا باتت في حاجة ملحة إلى مرحلة جديدة تسمح بإعادة بناء الإنسان إلى جانب إعادة بناء المدن، وأن حلب، التي أنهكتها الحرب، تستحق أخيرًا أن تستعيد بعضًا من هدوئها واستقرارها.