باريس/ إسراء تاشقين/ الأناضول
** إلسا مارسيل للأناضول:
- تهمة "الترويج للإرهاب" تحولت إلى أداة لملاحقة المتضامنين مع فلسطين
- منتقدو سياسات الإبادة الإسرائيلية يتعرضون لضغوط وملاحقات قضائية ممنهجة
- محاولات متزايدة لربط معاداة الصهيونية بمعاداة السامية وتوسيع التضييق على المناهضين للاستعمار
قالت المحامية الفرنسية إلسا مارسيل إن السلطات الفرنسية تستخدم أدوات قضائية لملاحقة الشخصيات المنتقدة لإسرائيل والمتضامنة مع الفلسطينيين، معتبرة أن تهمة "الترويج للإرهاب" تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى وسيلة للحد من حرية التعبير في هذا الملف.
جاء ذلك في مقابلة مع الأناضول، تناولت فيها الملاحقات القضائية التي تستهدف ناشطين وشخصيات عامة مؤيدة لفلسطين في فرنسا منذ بدء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
مارسيل التي تتولى الدفاع عن عدد من الناشطين الفرنسيين الداعمين لفلسطين، وأوضحت أن السلطات الفرنسية كثفت إجراءاتها القضائية بحق أشخاص عبّروا عن مواقفهم من الحرب أو شاركوا في فعاليات تضامنية مع الفلسطينيين.
وقالت إن وزير العدل الفرنسي آنذاك إريك دوبون موريتي أصدر في 10 أكتوبر 2023 تعميما دعا فيه المدعين العامين إلى تحريك دعاوى قضائية في الملفات التي تتضمن عبارات مثل "المقاومة" أو ما يندرج ضمن "الترويج للإرهاب".
وأضافت أن هذا التوجيه أدى إلى استدعاء عدد من الأشخاص للتحقيق وفتح ملفات قضائية بحق آخرين، فضلا عن صدور أحكام مرتبطة بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو تصريحات ألقيت خلال تظاهرات عامة.
وأكدت أن "الأصوات المعارضة التي انتقدت السياسات الإسرائيلية ذات الطابع الإبادي، وكذلك التواطؤ الفرنسي معها، تعرضت لمحاولات منظمة لإسكاتها".
ومنذ اندلاع الحرب على غزة، تحولت فرنسا إلى واحدة من أكثر الساحات الأوروبية جدلا بشأن حدود حرية التعبير المرتبطة بالقضية الفلسطينية، بعدما فتحت السلطات تحقيقات بحق ناشطين وسياسيين ونقابيين على خلفية تصريحات أو منشورات داعمة للفلسطينيين، فيما أثارت قرارات حظر تظاهرات وملاحقة متضامنين اتهامات متكررة للحكومة باستخدام القوانين المرتبطة بمكافحة الإرهاب وخطاب الكراهية لتقييد الأصوات المنتقدة لإسرائيل.
** ملاحقات لناشطين
وأشارت مارسيل إلى أن الإجراءات القضائية طالت شخصيات سياسية ونقابية وناشطين في المجتمع المدني بسبب مواقفهم الداعمة لفلسطين.
ولفتت إلى أن من بين هؤلاء جان بول ديلسكو، الأمين العام لاتحاد العمال في منطقة الشمال الفرنسية، الذي حصل لاحقا على حكم بالبراءة بعد اتهامه بالترويج للإرهاب.
كما تحدثت عن موكلتها أوليفيا زيمور، رئيسة جمعية "يوروبالستين"، التي صدر بحقها حكم بالسجن لمدة عامين مع وقف التنفيذ ومنعها من ممارسة العمل السياسي لمدة خمسة أعوام على خلفية كتابات نشرتها بشأن فلسطين.
ويواجه أيضا عمر السومي، أحد مؤسسي منظمة "أورجانس فلسطين"، محاكمة بتهمة الترويج لمنظمة إرهابية بسبب استخدامه عبارة "طوفان الأقصى" خلال تظاهرة في باريس عام 2024.
ومن المقرر كذلك أن يمثل أنس كاظب، المتحدث باسم حزب "ريفولوسيون بيرمانانت"، أمام القضاء الفرنسي في 25 يونيو/ حزيران الجاري على خلفية منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بالقضية الفلسطينية.
** تكميم أفواه
واعتبرت مارسيل أن إدراج جريمة "الترويج للإرهاب" في قانون العقوبات الفرنسي عام 2014 أتاح توسيع نطاق الملاحقات القضائية وتشديد العقوبات المرتبطة بها.
وأضافت أن هذا الأمر أدى إلى فتح ملفات قضائية واسعة النطاق ومراقبة تحركات بعض الأشخاص بسبب منشورات أو مواقف سياسية عبر الإنترنت.
وقالت إن تهمة "الترويج للإرهاب" تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ما يشبه "سلاح تدمير جماعي" ضد حرية التعبير.
كما حذرت من مساع متزايدة داخل فرنسا لتوسيع نطاق التضييق على التيارات المناهضة للصهيونية والمناهضة للاستعمار، مشيرة إلى وجود محاولات لربط معاداة الصهيونية بمعاداة السامية.
وأكدت ضرورة التصدي للأحكام التي تستهدف، وفق وصفها، المتضامنين مع فلسطين، معتبرة أن العديد من القضايا التي تابعتها كانت "صادمة للغاية".
** إبادة جماعية
وفي معرض حديثها عن قضية موكلها عمر السومي، قالت مارسيل إن الشرطة نفذت مداهمة لمنزله وأوقفته للتحقيق، كما فتشت منزل نائب رئيس جمعية "يوروبالستين" نيكولا شاهشهاني قبل توقيفه كذلك.
وأضافت أن التصريحات التي يُلاحق بسببها هؤلاء الناشطون ينبغي فهمها في سياق ما وصفته بأنها "واحدة من أكثر جرائم الإبادة الجماعية توثيقا خلال القرن الحادي والعشرين".
وتابعت: "الخطأ الوحيد الذي ارتكبه هؤلاء الأشخاص هو التعبير عن رفضهم لسياسات استعمارية قاتلة، لكن الدولة لا تتردد في تسخير أقسى أدوات التحقيق ومكافحة الإرهاب ضدهم".
واعتبرت أن قمع التضامن مع فلسطين داخل فرنسا يمنح إسرائيل "أكبر أسلحتها"، مشيرة إلى أن السلطات الفرنسية تواصل في الوقت ذاته إجراءاتها الرامية إلى حل منظمة "أورجانس فلسطين".
ولفتت إلى أن وتيرة الملاحقات القضائية ضد المتضامنين مع فلسطين لا تظهر مؤشرات على التراجع، مشيرة إلى أن عضو البرلمان الأوروبي ريما حسن ستمثل بدورها أمام القضاء الفرنسي في 7 يوليو/ تموز المقبل.
وختمت مارسيل حديثها بالتأكيد على أن فرنسا تتحمل، من وجهة نظرها، مسؤولية مباشرة في التواطؤ مع حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، مستدلة باستخدام مؤسسات الدولة، بما فيها النيابة العامة والإدارة المحلية، للضغط على الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين.