Qais Omar Darwesh Omar
12 أغسطس 2026•تحديث: 12 أغسطس 2026
رام الله/ قيس أبو سمرة/ الأناضول
- أحد سكان البلدة محمود شنار: نتعرض لتهديدات متواصلة من مستوطنين ومحاولات لدفع السكان إلى مغادرة الخربة.
في بلدة خربة صَرّة، جنوب نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، تحاصر بوابة استحدثتها إسرائيل نحو 33 فلسطينيا في قريتهم الصغيرة لتتحوّل حياتهم إلى سجن ترتبط حركتهم بفتحه وإغلاقه يدويا، في محاولة لدرء اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين التي تهدد أمنهم وأراضيهم الزراعية.
ويقول سكان البلدة، إن حياتهم تغيرت بصورة جذرية خلال العام ونصف العام الماضيين، مع تصاعد اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على حركتهم من وإلى قريتهم وأراضيهم الزراعية التي تعتمد على مردودها العائلات المقيمة فيها منذ أجيال.
محمود شنار، أحد سكان خربة صَرّة، أخبر الأناضول، أن نحو 33 شخصا يقيمون في الخربة، بينهم أفراد من عائلته وأقاربه وجيرانه، وأن المنطقة كانت قبل تصاعد الاعتداءات "استراتيجية" و"زراعية من الدرجة الأولى".
وأضاف أن سكان البلدة مُنعوا بعد بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 من الوصول بحرية إلى أراضيهم والسهل الزراعي.
بحسب شنار، "وضعت قوات الاحتلال بوابة على مدخل البلدة، وسلّمت مفاتيحها لأربع عائلات تقيم فيها".
ويضيف أن هذا الإجراء "يضطر السكان إلى فتح وإغلاق البوابة بأنفسهم عند مغادرتهم أو عودتهم".
ويقول: "لدى خروجنا أو دخولنا نغلق على أنفسنا، نحن في سجن نحن سجّانوه".
ولم يتمكن طاقم الأناضول من الدخول إلى البلدة، غير أنه التقى شنار خارج البوابة، بينما رصد أعمال بناء استيطاني تجري على قدم وساق في محيط منازل الفلسطينيين، فيما يجوب مستوطن مسلح المنطقة بين الحين والآخر.
ووفق رواية شنار، فإن القيود على الحركة ترافقها اعتداءات متكررة على المنازل والأراضي الزراعية وأشجار الزيتون، حيث تضم البلدة نحو 5 آلاف شجرة زيتون تعرضت أجزاء منها للإتلاف.
وأشار إلى أن "السكان أقاموا سياجا لحماية أراضيهم، لكنه تعرض للاقتلاع والتخريب"، موضحا أن تكلفة السياج بلغت، بحسب تقديره، "ما بين 400 و500 ألف شيكل (بين 133 و166 ألف دولار)".
وأوضح أن "الاعتداءات لم تقتصر على السياج، بل طالت الأشجار والأراضي وممتلكات السكان، وألحقت أضرارا كبيرة بمصدر رزق العائلات التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي".
وقال: "كانت أرضي تنتج الحبوب والخضروات والزيتون والتين والعنب، وكنت أزرعها باستمرار".
وأضاف أن "حياة السكان كانت قبل الحرب أفضل بكثير"، وأنهم كانوا يعيشون في "جنة عدن"، لكن الوضع تغير خلال العام ونصف العام الأخيرين، وباتوا يعيشون "العذاب والمرارة يوميا".
تهديدات متواصلة
شنار حمّل المستوطنين الإسرائيليين مسؤولية جزء كبير من الضغوط التي يتعرض لها سكان البلدة، مشيرا بالاسم إلى مستوطن يدعى أفيحاي سويسة.
وقال: "المستوطنون يطالبون السكان بمغادرة المنطقة، ويكررون أن الأرض تعود إلى إسرائيل، وأن وجود الفلسطينيين في البلدة غير مرغوب فيه".
وأضاف أن أحد المستوطنين يقول لهم إن "البلدة تعود إلى إسرائيل"، وإن عليهم مغادرتها، مشيرا إلى أن التهديدات تتكرر بصورة شبه يومية.
وقال إن المستوطنين يهددون أيضا بإحضار الجرافات لهدم أو إزالة ممتلكات السكان، وأن الاحتكاكات والاعتداءات تحدث بصورة شبه يومية.
وبيّن أن هذه الاعتداءات باتت تؤثر على حياة الأطفال والنساء، قائلا إن "الأطفال يعيشون في حالة خوف دائم أصبح جزءا من الحياة اليومية في البلدة، ويرتجفون عند رؤية ما يخيفهم".
ووصف الوضع بأنه مخيف للغاية، مشيرا إلى أن سكان البلدة لم يعودوا يشعرون بالأمان حتى داخل منازلهم.
إرث أجيال
يؤكد شنار أن عائلته تقيم في المنطقة منذ أجيال، قائلا إن الأرض التي يعيش فيها ورثها عن والده وأجداده.
وأوضح أن "وجود العائلة في المنطقة يعود إلى نحو 400 عام، وأرضها كانت تعتمد على الزراعة وتوفر مختلف المحاصيل".
وقال: "أرضي كانت من أكثر الأراضي إنتاجا في المنطقة، كنت أزرعها بالحبوب والخضروات وأعتني بأشجار الزيتون والتين والعنب".
وأضاف: "فقدان القدرة على الوصول إليها يعني تهديد مصدر رزقي الأساسي".
وأشار إلى أنه لجأ إلى القضاء ورفع قضية ضد مستوطنين، لكن "الإجراءات القضائية لم تؤد إلى وقف الاعتداءات أو ضمان وصوله إلى أرضه".
وأضاف أن الإجراءات القضائية معقدة، والوصول إلى الأرض يتطلب إجراءات وتصاريح وقيودا تجعل استغلالها زراعيا أمرا بالغ الصعوبة.
"صامدون هنا"
تقع بلدة خربة صَرّة جنوب نابلس، في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية تصاعدا في النشاط الاستيطاني والاعتداءات على الفلسطينيين وأراضيهم.
وسبق أن وثقت مصادر فلسطينية محاولات مستوطنين الوصول إلى البلدة والتنقيب عن آثار فيها، كما أفادت مصادر محلية خلال السنوات الماضية بعمليات تجريف وحراثة وتسييج لأراض زراعية في المنطقة.
وتقع البلدة في محيط يضم عددا من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، بينها مستوطنتا "شيلو" و"شفوت راحيل"، في منطقة جنوب نابلس التي تشهد نشاطا متزايدا للبؤر الاستيطانية الرعوية.
ويقول سكان خربة صَرّة إنهم يخشون أن تكون القيود المفروضة عليهم والاعتداءات المتكررة جزءا من مسار يهدف في نهايته إلى دفعهم لمغادرة الخربة والسيطرة على أراضيها.
لكن شنار يؤكد أنه رغم الظروف القاسية "صامد هنا، متمسك بالبقاء في أرضي، لن أغادرها إلا بعد موتي، ورثت هذه الأرض عن والدي وجدي، وجدي الأكبر أيضا وُلد فيها".
ويقول فلسطينيون إن البؤر الاستيطانية الرعوية أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أدوات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، إذ يبدأ النشاط بالسيطرة على مناطق الرعي والأراضي الزراعية، ثم يتوسع تدريجيا عبر إقامة منشآت وبؤر وفرض قيود على حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم.
وتحذر جهات فلسطينية ودولية من أن الاعتداءات والقيود المفروضة على الفلسطينيين في المناطق المصنفة "ج"، التي تشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، تدفع بعض التجمعات إلى مغادرة أماكن سكنها وأراضيها.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، شهدت الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة حالات تهجير لفلسطينيين على خلفية عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي والمراعي والمياه، ولا سيما في التجمعات البدوية والرعوية.