جنين/ قيس أبو سمرة/ الأناضول
قبل أسابيع من بدء موسم قطف الزيتون، الذي يمثل مصدر رزق رئيسيا لعائلات فلسطينية في بلدة عرابة جنوب غربي محافظة جنين شمالي الضفة الغربية، فوجئ مزارعون بجرافات إسرائيلية تقتلع أشجارهم وتجرف أراضيهم، دون أن يتمكنوا من الوصول إليها أو إنقاذ محصولهم.
ولليوم الثاني على التوالي، تواصل القوات الإسرائيلية تجريف أراض زراعية واقتلاع أشجار في محيط البلدة، على امتداد الطريق الرابط بين سهل عرابة وبلدة يعبد، وفي محيط محطة عرابة، وفق رئيس البلدية أحمد العارضة.
ومنذ بدء الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، صعّد الجيش والمستوطنون اعتداءاتهم في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، من خلال القتل والاعتقال والتهجير وهدم المنازل والتوسع الاستيطاني.
وفي حديث للأناضول، قال العارضة، إن أعمال التجريف طالت نحو 223 دونما (الدونم يعادل ألف متر مربع)، وامتدت في بعض المواقع لمسافة تراوحت بين 40 و50 مترا على جانبي الطريق، بينما تمنع القوات الإسرائيلية أصحاب الأراضي من الوصول إليها.
وبالنسبة إلى المزارعين، لا تقتصر الخسارة على مساحة الأرض المجرفة، بل تشمل أشجارا زرعتها عائلاتهم قبل عقود، وكانوا يستعدون لقطف ثمارها.
وقال المزارع سامي دحبور، للأناضول، إن أصحاب الأراضي تلقوا، قبل نحو شهر، إخطارا عبر الارتباط المدني والبلدية، يتعلق بإقامة منطقة بعرض 75 مترا على جانبي الطريق الرابط بين عرابة ويعبد.
وأضاف أن المزارعين طلبوا إمهالهم حتى موسم القطاف، الذي يبدأ بعد نحو شهر، لكنهم فوجئوا بوصول الجرافات وبدء اقتلاع الأشجار قبل الاستجابة لطلبهم.
واعتبر دحبور، أن الإجراء يحرم المزارعين من مصدر رزقهم، ويفرض مزيدا من القيود على وصولهم إلى أراضيهم.
وقال إن تبرير هذه الإجراءات بدواع أمنية لا يقنع أصحاب الأراضي.
وأشار دحبور، إلى أنها مملوكة ومزروعة للفلسطينيين منذ أجيال.
وأوضح أن بعض الأشجار المقتلعة يبلغ عمرها نحو 27 عاما، فيما يتراوح عمر أخرى بين 130 و150 عاما.
وأكد دحبور، تمسك المزارعين بأراضيهم، قائلا إن اقتلاع الأشجار لن يدفعهم إلى التخلي عنها، وإنهم سيعيدون زراعة ما جرى اقتلاعه.
**أشجار سبقت الاحتلال
ويحمل المزارع خليل الفاري، أغصانا من أشجار الزيتون التي اقتلعتها الجرافات في مشهد يتجاوز قيمتها الاقتصادية، قائلا إن بعضها كان موجودا في المنطقة قبل أن تصل عائلته إليها في سبعينيات القرن الماضي.
وأضاف الفاري، في حديث للأناضول، أن عائلته لجأت من منطقة حيفا إلى الضفة الغربية، واستقرت في عرابة نحو عام 1972، وكانت أشجار الزيتون موجودة في الأرض آنذاك.
ووصف بعض الأشجار المقتلعة بأنها "أكبر من دولة الاحتلال عمرا"، في إشارة إلى أشجار يتجاوز عمرها 100 عام.
وأشار الفاري، إلى أن الجرافات اقتلعت أشجارا مثمرة قبل نحو 20 يوما إلى شهر من بدء موسم القطاف، ما يحرم العائلات من محصولها ومصدر دخلها.
وقال: "مصدر رزقنا ورزق أبنائنا وأهلنا وعائلاتنا يعتمد على الزيت والزيتون".
وربط الفاري، ما يحدث بالتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما عودة النشاط العسكري والاستيطاني إليها.
وأوضح أن الموقع المعروف باسم "معسكر عرابة" أو "معسكر دوتان" أُخلي عام 2005، وظلت المنطقة نحو 20 عاما دون وجود مستوطنين على الطريق، قبل عودة الجيش الإسرائيلي إلى الموقع وإقامة مستوطنة "عيمق دوتان" بالقرب منه، وفق روايته.
وأضاف أن وجود المستوطنين رافقته مضايقات وإغلاقات متكررة خلال الأشهر الأخيرة، بينما يتولى الجيش الإسرائيلي حمايتهم.
وأكد الفاري تمسكه بأرضه، قائلا إنه ولد في عرابة وعاش فيها طوال حياته، متسائلا: "بأي حق يطردك شخص من أرضك ويقتلع أشجارك؟!"
**"ما ذنب شجرة الزيتون!"
بدورها، استنكرت أميرة عبد الفتاح ناصر، اقتلاع أشجار الزيتون المملوكة لزوجها، رغم أنها لا تشكل أي خطر.
وقالت أميرة للأناضول: "ما ذنب شجرة الزيتون! إنها لا تقاتل ولا تحارب ولا تؤذي أحدا".
واعتبرت أن ما تشهده المنطقة يأتي في سياق متواصل من التضييق على السكان، بدأ بفرض قيود على الطريق والوصول إلى الأراضي، ووصل إلى اقتلاع الأشجار.
وأكدت أميرة، أن عائلتها لا تملك مكانا آخر تذهب إليه، وأن السكان "صامدون في أرضهم" رغم الظروف الصعبة.
**موسم مهدد
وتتزامن أعمال التجريف مع استعداد المزارعين لموسم قطف الزيتون، الذي يبدأ عادة بعد منتصف أكتوبر/ تشرين الأول، ويعد من أهم المواسم الزراعية في عرابة والبلدات والقرى الفلسطينية.
وقال رئيس البلدية أحمد العارضة، إن أصحاب نحو 1500 دونم من أراضي عرابة، المحاذية لمستوطنة "مافو دوتان"، ممنوعون من الوصول إليها منذ عام 2023.
وأضاف العارضة، أن نحو 1400 دونم أخرى قرب مستوطنة "عيمق دوتان" تضررت جراء الإجراءات الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين.
وأوضح أن الزراعة، ولا سيما زراعة الزيتون، تمثل مصدرا أساسيا لدخل سكان البلدة، إلى جانب سهل عرابة الذي يعتمد عليه المزارعون ومربو الأغنام.
وأشار العارضة، إلى أن اعتداءات تعرض لها المزارعون، شملت استخدام الغاز والعصي الكهربائية، دفعت بعضهم إلى الابتعاد عن أراضيهم، محذرا من تداعيات ذلك مع اقتراب موسم القطاف.
وقال العارضة، إنه لم يتمكن شخصيا من الوصول إلى أرضه المزروعة بالزيتون منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وأكد أن التنسيق المسبق للوصول إلى الأراضي لا يوفر دائما الحماية اللازمة للمزارعين.
وبينما تواصل الجرافات اقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي، يؤكد أصحابها أنها ليست مجرد غطاء نباتي، بل مصدر رزق وذاكرة عائلية وجزء من ارتباطهم بأرضهم.
وتأتي أعمال التجريف في ظل عودة التوسع الاستيطاني إلى محافظة جنين، عقب تدشين مستوطنة "عيمق دوتان" على أراضي عرابة في أغسطس/ آب 2026، بمشاركة وزراء وأعضاء في الكنيست الإسرائيلي، وانتقال نحو 22 عائلة إسرائيلية إليها.
ووفق تقارير إسرائيلية وفلسطينية، تعد "عيمق دوتان" أول مستوطنة تقام شمالي الضفة الغربية في موقع لم يكن قائما قبل خطة "فك الارتباط" عام 2005، التي أخلت إسرائيل بموجبها 4 مستوطنات في المنطقة.
وأقيمت المستوطنة الجديدة قرب مستوطنة "مافو دوتان"، المقامة منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما يعيد تشكيل المشهد الاستيطاني في محيط عرابة ويزيد القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية.
وبحسب معطيات محلية، استولت السلطات الإسرائيلية على نحو 200 دونم لصالح المستوطنة الجديدة، وتزامن إنشاؤها مع شق طرق وإصدار أوامر بوضع اليد وتجريف أراض واقتلاع أشجار.