غزة/ حسني نديم/ الأناضول
جسد أطفال فلسطينيون في مئات اللوحات ما عاشوه خلال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، من نزوح وجوع ودمار وفقد للأحبة، إلى جانب أحلامهم بمستقبل أفضل.
وأقيمت الأعمال ضمن معرض "ألم وأمل.. واقع وخيال" بمخيم "الأرض الطيبة" في مواصي خان يونس جنوبي القطاع، في ظل ظروف إنسانية قاسية جراء حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويأتي المعرض فيما لا يزال نحو 1.9 مليون من أصل 2.1 مليون فلسطيني في غزة نازحين، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، بعد أن دفعت الحرب والدمار وأوامر الإخلاء الإسرائيلية غالبية السكان إلى مغادرة منازلهم.
وكان الأطفال من أكثر الفئات تضررا؛ إذ قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في 3 يوليو/ تموز الماضي إن إسرائيل قتلت نحو 21 ألفا و500 طفل منذ بدء الحرب، فيما نقل عن اليونيسف أن أكثر من 58 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما.
وفي هذا الواقع، رسم الأطفال في المعرض مشاهد النزوح والدمار والجوع وشح المياه وفقد الأحبة، إلى جانب لوحات عبروا فيها عن آمالهم ومستقبلهم وارتباطهم بالتراث الفلسطيني.
وتنوعت الأعمال بين الرسم الواقعي والتجريدي، ولوحات تناولت الضوء والظل والشخصيات، فيما وزعت أركان المعرض على موضوعات "الألم" و"الأمل" و"الواقع" و"الخيال".
** التعبير بالرسم
وقالت المشرفة على المعرض وسام خلف، وهي معلمة لغة إنجليزية، إن الفكرة بدأت بمحاولة الجمع بين موهبتها الفنية وعملها التعليمي، لإتاحة مساحة للأطفال يعبرون من خلالها عما عاشوه خلال الحرب.
وأضافت خلف للأناضول أن المعرض يحمل رسالة مفادها أن "فلسطين باقية ما بقي الزيتون والزعتر"، وأن القضية الفلسطينية لا تزال حاضرة "في أذهان الأطفال وعقولهم وقلوبهم".
وأوضحت أن الأطفال تلقوا تدريبات على استخدام الألوان والظل والنور ودمج الألوان، قبل أن يرسموا مشاهد عاشوها أو شاهدوها خلال الحرب.
وتناولت لوحاتهم الجوع وتوزيع المساعدات والبحث عن أكياس الطحين والنزوح والدمار والقتلى، إلى جانب موضوعات أخرى تتعلق بأحلامهم وحياتهم.
وقالت خلف إن مستوى التعبير في بعض اللوحات فاق توقعاتها، رغم أن أعمار عدد من المشاركين تراوح بين 7 و10 أعوام، إضافة إلى أطفال من فئات عمرية أخرى.
وتأتي الأنشطة الفنية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال في غزة؛ إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في يوليو بأن برامج الحماية قدمت دعما نفسيا وأنشطة فنية وترفيهية واستشارات لآلاف الأطفال في القطاع.
** "الرسم ملجأ"
ومن بين المشاركات الطالبة أسماء الهمص، التي عرضت نحو 15 لوحة جسدت من خلالها ما وصفته بـ"رحلة النجاة والحرب" التي عاشها الفلسطينيون في غزة.
وتقول الهمص للأناضول إن لوحاتها تناولت الجوع والعيش في الخيام والظروف المعيشية الصعبة والدمار ومشاهدة القتلى.
وأضافت أن الرسم تحول بالنسبة إليها إلى "ملجأ" تستطيع من خلاله التعبير عن المشاعر السلبية والمعاناة التي عاشتها خلال الحرب، وإخراج ما في داخلها.
أما الطالبة سديل أبو جلال، من الصف السابع، فقالت إن المعرض ساعد الأطفال على تحويل "الطاقة السلبية" التي خلفتها الحرب إلى طاقة إيجابية عبر الفن.
وعرضت أبو جلال لوحة عن الجوع ومعاناة الحصول على المساعدات، وقالت إنها استندت في رسمها إلى ما رواه شقيقها البالغ 10 أعوام بعدما شاهد تلك المشاهد بنفسه.
كما رسمت طفلة فلسطينية لوحة عن الجوع والخوف والحصار والنزوح وفقد أشخاص من حولها، موضحة أن اللوحة أتاحت لها التعبير عن مشاعر ودموع ظلت تحملها في داخلها.
** منزل تحول إلى ركام
وبالنسبة لأبو جلال، لم تكن مشاهد النزوح التي رسمتها مجرد قصص سمعتها من آخرين.
فالطفلة نازحة من مدينة رفح، وتقول إنها غادرت منزل أسرتها خلال الحرب وهي تأمل العودة إليه، لكنها وجدته عند عودتها وقد تحول إلى ركام.
وتختصر تجربتها جانبا من واقع غالبية سكان القطاع؛ فحتى منتصف يوليو كان 1.9 مليون فلسطيني لا يزالون نازحين، فيما يعيش كثير منهم في خيام ومواقع إيواء مؤقتة وسط نقص المياه والخدمات الأساسية.
وتقول اليونيسف إن نحو 82 بالمئة من الأسر في غزة تعاني انعدام أمن المياه، وإن ما يصل إلى 70 بالمئة منها لا تحصل حتى على 6 لترات من المياه للفرد يوميا، في ظل تضرر أو تدمير نحو 90 بالمئة من مرافق المياه والصرف الصحي.
وبين لوحات الدمار والجوع والنزوح، رسم الأطفال أيضا الزيتون والبيوت والتراث الفلسطيني ومشاهد أكثر إشراقا، في محاولة للجمع بين ما عاشوه خلال الحرب وما يتطلعون إليه مستقبلا.
ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة قتل 73 ألفا و389 فلسطينيا وأصيب 174 ألفا و266 آخرون، وفق وزارة الصحة.
وخلفت الحرب دمارا واسعا في المساكن والبنية التحتية، بينما لا تزال عودة النازحين وإعادة إعمار القطاع مرتبطة باستكمال ترتيبات وقف إطلاق النار والانسحاب.