غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
على أنقاض قاعة أفراح غربي مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، والتي أعيد ترميمها بعد تعرضها لأضرار جسيمة خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، علت مساء الأحد أصوات الزغاريد والدبكة الفلسطينية، في مشهد نادر أعاد شيئاً من مظاهر الحياة إلى منطقة أنهكتها الحرب، بعدما غابت عنها الأفراح وحلت مكانها أصوات القصف والانفجارات.
وتحت شعار "أفراح الشمال.. أحلام من الركام"، احتفل 150 عريساً وعروساً بزفافهم في حفل جماعي نظمته جمعية "غوث" الخيرية (غير حكومية)، في محاولة لإحياء الأمل بين الفلسطينيين في شمال قطاع غزة، ودعم الشباب المقبلين على الزواج، رغم الظروف الإنسانية والمعيشية التي ما تزال تثقل كاهلهم.
وعلى مقربة من مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي، احتشد مئات الفلسطينيين من الرجال والنساء والأطفال لمشاركة العرسان فرحتهم، ورددوا الأهازيج التراثية وأدوا الدبكة الفلسطينية، في مشهد غابت تفاصيله عن شمال غزة لأكثر من عامين ونصف.
ولساعات، تبدلت ملامح المكان الذي طالما غطته الأنقاض إلى مساحة ازدانت بالفرح، بينما حرص الأهالي على مشاركة العرسان لحظات الاحتفال، باعتبارها رسالة تمسك بالحياة رغم ما أصابهم من فقد وتشريد، وتحول الحفل بالنسبة للمشاركين إلى مساحة لاستعادة بعض مظاهر الحياة التي غابت عن المنطقة طوال سنوات الحرب.

ويقول المشاركون إنهم يصرون على صناعة الفرح ورسم الأمل، رغم ما عاشوه من فقدان للأحبة، ونزوح متكرر، وظروف إنسانية قاسية ما زالت تلقي بظلالها على حياتهم اليومية.
وقال العريس يحيى أبو القمصان، أحد المشاركين في الحفل، إن إقامة الزفاف الجماعي وسط الدمار تحمل رسالة تتجاوز المناسبة الاجتماعية.
وأضاف يحيى، للأناضول: "برغم القصف والدمار في شمال غزة، ورغم فقدان الأهل والأحباب والأصدقاء، نثبت للعالم أن غزة تحب الحياة وتصنعها".
وتابع بنبرة يعلوها الإصرار: "هذا الحفل اليوم هو وثيقة عهد بأننا باقون في أرضنا، ونعيد الأمل من جديد".
وبرغم فقدانه عدداً من أفراد أسرته خلال الحرب، إضافة إلى أكثر من 200 من أبناء عائلته الكبيرة، يصر يحيى على الفرح، قائلاً: "جئنا اليوم لنصنع الفرحة في كل بيت تسببت الحرب له بالأحزان".
ويرى أن الاحتفال في هذا المكان، الذي كان حتى وقت قريب شاهداً على الدمار، يمثل بالنسبة إليه تحدياً لواقع فرضته الحرب، وإصراراً على أن تبدأ حياة جديدة رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها الفلسطينيون في شمال قطاع غزة.

من جانبه، قال المختار نمر المقوسي، أحد وجهاء مخيم جباليا، إن إقامة العرس التراثي بين الأنقاض تؤكد تمسك الفلسطينيين بالحياة رغم حجم المأساة التي خلفتها حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
وفي حديث للأناضول على هامش الحفل، أضاف المقوسي: "من هذا العرس التراثي الفلسطيني الذي يرسم البسمة على شفاه المكلومين، ومن بين الأنقاض والركام نثبت للجميع أننا ما زلنا متمسكين بالحياة، مرابطين على أرض فلسطين".
وأشار إلى أن مشهد اجتماع مئات الفلسطينيين للاحتفال بزفاف أبنائهم يحمل دلالة تتجاوز المناسبة الاجتماعية، إذ يعكس إصرارهم على مواصلة الحياة رغم ما تعرضوا له من قتل ونزوح ودمار.
وأعرب المقوسي، عن أمله في أن يسهم الحفل في "مداواة جراح العشرات من أبناء شعبنا الذين شردتهم الحرب".
وأردف: "لا بد أن تستمر الحياة، وأن يفرح شعبنا بكل مكوناته.. هذه رسالة أهل شمال غزة في هذا اليوم".
أما الفلسطينية أم معاذ أبو شادي، والدة أحد العرسان، فقالت إن السعادة تغمرها في هذا اليوم الذي تفرح فيه بزفاف نجلها، بعد فترة طويلة غابت فيها المناسبات الاجتماعية عن شمال قطاع غزة.
وأضافت أم معاذ في حديث للأناضول: "هذه المناسبة أعادت للأهالي شعوراً افتقدوه منذ فترة طويلة".
وتابعت: "نحمد الله أن أتم علينا الفرحة في هذا اليوم الذي نرجو من خلاله رسم البسمة وإعادة روح الأمل في نفوسنا جميعاً".
وأضافت أم معاذ: "نشكر كل من يساهم في صناعة الفرحة على وجوه الصغار والكبار (...) فغزة من حقها أن تعيش".
ويقول مشاركون إن مجرد إقامة حفل زفاف جماعي في منطقة لا تزال آثار الدمار تحيط بها من كل جانب، منح كثيراً من العائلات شعوراً باستعادة جانب من الحياة الطبيعية، ولو لساعات، بعد سنوات طغت فيها مشاهد النزوح والدمار وفقدان الأحبة على تفاصيل حياتهم اليومية.

بدوره، أوضح تامر أبو علبة، أحد منظمي الحفل، أن الزفاف الجماعي استهدف 150 عريساً وعروساً من المناطق الأكثر تضرراً في شمال قطاع غزة.
وقال تامر، في حديث للأناضول: "نحتفي اليوم بـ150 عريساً وعروساً من سكان المناطق التي دمرها الاحتلال وهُجّر أهلها وتعرضوا للقصف والتجويع والتشريد، ليبدأ العرسان حياتهم من جديد، ويعيدوا الأمل والفرح من قلب المعاناة".
وأضاف أن اختيار اسم "أفراح الشمال.. أحلام من الركام" يعكس رسالة الحفل، المتمثلة في أن "الأمل يتجدد والحياة تعود لشمال غزة من جديد، رغم كل الظروف المأساوية".
وأشار تامر، إلى أن الجمعية قدمت مساهمة مالية لكل عروسين، بهدف التخفيف من أعباء تأسيس حياتهما الجديدة، في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة.
وأوضح أن استهداف المناطق الأكثر تضرراً جاء انطلاقاً من حاجة سكانها إلى مبادرات تعيد إليهم بعضاً من مظاهر الحياة، بعد ما تعرضوا له من دمار واسع وتهجير وفقدان لمنازلهم ومصادر رزقهم.
وتأتي المبادرة في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تراوح مكانها، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، إذ يواجه الفلسطينيون صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية، بالتزامن مع بطء عمليات إزالة الركام وإعادة الإعمار، واستمرار النقص في المساعدات ومواد الإيواء.
ويرى المشاركون في الحفل أن المبادرة تتجاوز كونها مناسبة اجتماعية، إذ تمثل محاولة لاستعادة مشاهد الحياة الطبيعية في منطقة ما زالت آثار الحرب تحيط بها من كل جانب، فيما يأمل العرسان أن تكون بداية لمرحلة جديدة، رغم حجم التحديات التي يفرضها الواقع الإنساني والاقتصادي في القطاع.
ولا تزال كميات هائلة من الركام تغطي أحياء سكنية ومرافق مدنية في مختلف أنحاء قطاع غزة، بعدما خلفت الحرب دماراً واسعاً طال المنازل والمدارس والمنشآت والخدمات الأساسية، في وقت تؤكد فيه تقديرات الأمم المتحدة وخبراء أن إزالة هذا الركام وانتشال الضحايا من تحته قد يستغرقان سنوات، في ظل محدودية الإمكانات والمعدات اللازمة.
وبينما كان العرسان يلتقطون الصور التذكارية وسط الأعلام والزينة، بقيت الأنقاض المحيطة بالمكان شاهداً على حجم الدمار الذي تعرض له شمال القطاع، لتتحول في ذلك المساء إلى خلفية لمشهد حاول فيه الفلسطينيون انتزاع مساحة للفرح من قلب المأساة.
وبدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة بدعم أمريكي، ما أسفر عن أكثر من 73 ألف قتيل وما يزيد على 173 ألف جريح، إضافة إلى دمار هائل طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
ورغم اتفاق لوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فإن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة لم تشهد تحسناً، بسبب تنصل إسرائيل من الالتزامات التي نص عليها الاتفاق، بما في ذلك فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء.
news_share_descriptionsubscription_contact


