إسطنبول/ شادومان توركاي/ الأناضول
- في "تقسيم" كانت المياه الواصلة إلى إسطنبول تُقسَّم إلى مسارات عدة ومن هنا جاءت تسمية ساحة "تقسيم"
** الأكاديمي بجامعة إسطنبول قادر بكتاش:
- إسطنبول امتلكت بنية تحتية مائية ضخمة وحضارات مختلفة طورت ذلك واستخدمته
- منشآت مياه قرقجشمه واجهت كارثة طبيعية كبيرة بعد إنشائها ورغم مرور القرون لا يزال جزء مهم منها قائمًا حتى اليوم
- من المهم إعداد لوحات تعريفية تشرح وظائف هذه المنشآت وتاريخها ما يسهم في زيادة الوعي بمنظومة المياه التاريخية
من "غابات بلغراد" إلى قلب إسطنبول، تحكي شبكة المياه التاريخية قصة منظومة هندسية امتدت قرابة 19 قرنا، من العصر الروماني مرورا بالعهدين البيزنطي والعثماني، ولا تزال سدودها وأقواسها المائية شاهدة على تطور المدينة وعلاقتها بالماء.
حكاية إسطنبول مع المياه بدأت في العصر الروماني مع إنشاء أولى شبكات نقل الماء، وتطورت عبر العصور حتى وصلت إلى أوجها في العهد العثماني مع نظام مياه قرقجشمه الذي أنشأه المعمار سنان.

وهذا النظام عبارة عن شبكة هندسية تمتد من غابات بلغراد في أطراف إسطنبول إلى وسط المدينة، وتضم سدودًا وأقواسًا مائية تقف شاهدة على آثار حضارات مختلفة.
وتحمل السدود والأقواس المائية آثار منظومة مائية غير مرئية امتدت من العصر الروماني إلى البيزنطي، ومن العهد العثماني إلى يومنا هذا.
ومع تزايد عدد السكان وارتفاع الحاجة إلى المياه، جرى نقل المياه من المصادر الواقعة خارج المدينة إلى المناطق السكنية عبر القنوات.

وبحلول القرن الرابع، ازدادت حاجة إسطنبول إلى المياه، وفي عهد الإمبراطور فالنس، نُقلت المياه من المصادر البعيدة إلى المدينة عبر خطوط نقل تصل إسطنبول بمصادر مياه جديدة.
وحافظ العثمانيون على البنية التحتية التي أنشأها الرومان والبيزنطيون بعد فتح إسطنبول، إذ عمل السلطان محمد الفاتح على إصلاح مجاري المياه.
وفي عهد السلطان سليمان القانوني، وصلت إسطنبول إلى واحدة من أكثر شبكات المياه تطورًا في عصرها، وهو نظام قرقجشمه.
ويضم خط نقل للمياه يبلغ طوله نحو 55 كيلومترًا، و33 قوسًا مائيًا، وأقنية تمتد على مسافات طويلة، وآبار مراقبة، وموازين للمياه.

ولهذا، تعتبر رحلة كل قطرة ماء جزءا من ذاكرة مدينة تمتد من العصر الروماني إلى البيزنطي، ومن العهد العثماني إلى الجمهورية التركية.
ورصدت وكالة الأناضول هذه القصة، حيث كانت رحلة المياه إلى إسطنبول تبدأ من السدود في غابات بلغراد، فيما تغذي مياه الأمطار والينابيع منظومة المياه التاريخية على مدار العام.
وبعد مغادرة السدود، كانت المياه تتقدم عبر مسارين رئيسيين، شرقي وغربي، قبل أن تلتقي جنوب كمربورغاز في الحوض الرئيسي (باش حوض)، الواقع على عمق نحو 14 مترًا.
ويُعد الحوض الرئيسي، الذي لا يعرفه اليوم سوى عدد قليل من الناس، والذي وصفه المعمار سنان بأنه "عميق بقدر برج غلطة"، إحدى أهم محطات المنظومة.

ومن الحوض الرئيسي، كانت المياه تدخل خط النقل، ثم تعبر قوس ماغلوفا، لتصل إلى إسطنبول مرورًا بأقواس أوزون كمر، وغوزلجه كمر، وباشا كمر.
وكان قوس ماغلوفا، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 36 مترًا ويضم نظامًا إنشائيًا من طابقين، ينقل المياه من أحد جانبي الوادي إلى الجانب الآخر.
وعندما كانت المياه تصل إلى وسط المدينة، كانت تمر عبر قوس بوزدوغان، الذي يشكل جزءًا من رموز إسطنبول منذ نحو 16 قرنًا.
وكان مقسم "تقسيم" إحدى المحطات المهمة داخل المدينة، ففيه كانت المياه الواصلة إلى إسطنبول تُقسَّم إلى مسارات عدة، لتُوجَّه إلى النوافير ونقاط التوزيع الأخرى، ومن هنا جاءت تسمية ساحة "تقسيم".
ومع مرور الوقت، تغيرت الأنظمة التي تلبي احتياجات إسطنبول من المياه، وشُيدت السدود الحديثة، أما السدود والأقواس والمقاسم التاريخية، فقد أدت وظائفها وأصبحت جزءًا من التراث الثقافي.
وتعقيبا على ذلك، قال الأكاديمي بجامعة إسطنبول مدنيت، قادر بكتاش، للأناضول، إن "المياه أدت دورًا حاسمًا عبر التاريخ في قيام المدن الكبرى، وإسطنبول امتلكت بنية تحتية مائية ضخمة".
وأوضح بكتاش المختص بتاريخ الفن، أن جذور منظومة المياه التاريخية في إسطنبول تعود إلى العصر الروماني، مشيرًا إلى أن حضارات مختلفة، من البيزنطيين إلى العثمانيين، طورت البنية التحتية نفسها واستخدمتها.
وأشار إلى أن العثمانيين حافظوا على البنية التحتية للمياه وعملوا على تطويرها، فقد أعاد السلطان محمد الفاتح مجاري المياه التي كانت في حالة خراب إلى العمل.
وعن منشآت مياه قرقجشمه، قال الأكاديمي: "أنشأها المعمار سنان، وكانت أكبر منظومة للمياه في إسطنبول"، مؤكدًا أنها كانت نظامًا ضخمًا ينقل المياه من غابات بلغراد، التي تبعد نحو 55 كيلومترًا، إلى إسطنبول.
ولفت إلى أن النظام لم يكن يتألف من بضعة أقواس مائية فحسب، وإنما كان شبكة هندسية كبيرة ومترابطة.

بكتاش أكد أن المنشآت شُيدت بأمر من السلطان سليمان القانوني لتلبية احتياجات إسطنبول المتزايدة من المياه.
وتابع: "كانت المياه القادمة من الشرق والغرب تستقر هنا، ثم تُدفع إلى خط نقل المياه الرئيسي، وعلى الرغم من أن هذا الحوض لا يحظى اليوم بشهرة كبيرة لأنه يقع خارج مركز المدينة، لكنه من أكثر المنشآت التي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام".
الأكاديمي تحدث عن قوس ماغلوفا، وقال إنه يعد أحد أبرز الأعمال التي تظهر أن المعمار سنان لم يكن معماريًا كبيرًا فحسب، بل مهندسًا بارعًا.
وأضاف: "يبلغ ارتفاع القوس نحو 36 مترًا، وطوله 250 مترًا، ويعد بهيكله المؤلف من طابقين ونظامه الإنشائي أحد أهم الأعمال، ليس في العمارة العثمانية فحسب، بل في العمارة المائية العالمية أيضًا".

ومتحدثا عن التاريخ، قال بكتاش: "منشآت مياه قرقجشمه واجهت كارثة طبيعية كبيرة بعد إنشائها، ورغم مرور القرون، لا يزال جزء مهم من السدود والمنشآت قائمًا حتى اليوم، وهذا يوضح مدى دقة الاستثمارات التي أُجريت في ذلك الوقت".
وأوضح أن المياه في النظام لم تكن تُنقل عبر الأقواس فقط، بل كانت تُوزع على المدينة بصورة منظمة من خلال الأنابيب الفخارية تحت الأرض.
كما أشار إلى أن المياه كانت تصل بعد مرورها عبر موازين المياه إلى المقاسم، مشيرًا إلى أن هذه المنشآت كانت من أهم نقاط نظام توزيع المياه في إسطنبول.
الأكاديمي قال إن ملايين الأشخاص يمرون يوميًا بجوار المنشآت المائية التاريخية في إسطنبول، من دون أن يكونوا مدركين أنها أجزاء من منظومة واحدة.
ولمعالجة ذلك، قال بكتاش: "من المهم إعداد لوحات تعريفية تشرح وظائف هذه المنشآت وتاريخها، ما يسهم في زيادة الوعي بمنظومة المياه التاريخية".
كما اقترح "إدماج منظومة المياه التاريخية في إسطنبول ضمن السياحة الثقافية، وإنشاء مسار سياحي خاص لخط المياه التاريخي، لأن ذلك سيكون مسارًا ثقافيًا ذا قيمة كبيرة لإسطنبول".
وشدد على أن مجاري المياه التاريخية ليست منشآت مستقلة عن بعضها، مشيرًا إلى إمكانية قراءة تطور إسطنبول من خلال منظومة المياه.

وفيما يتعلق بالمياه في العهد العثماني، قال بكتاش: "لم تكن مجرد مياه للشرب، بل كانت في صميم الحياة الحضرية والاجتماعية".
وتحدث عن "ضرورة إعادة إحياء النوافير التاريخية التي حملت منشآت مياه قرقجشمه اسمها، لأن ذلك سيكون مهمًا في الحفاظ على ثقافة المياه في إسطنبول".
وختم حديثه بالقول: "ينبغي إعادة إحياء هذه النوافير بما يتوافق مع وظيفتها الأصلية، أو على الأقل بصورة رمزية".
news_share_descriptionsubscription_contact


