مدرسة داود باشا... خمسة قرون من التعليم في قلب إسطنبول (تقرير)
- تقع في منطقة الفاتح وأسسها الصدر الأعظم داود باشا عام 1485
Gökçe Karaköse, Hamdi Dindirek, Hişam Sabanlıoğlu
29 سبتمبر 2026•تحديث: 29 سبتمبر 2026
photo: Arif Hüdaverdi Yaman / AA
İSTANBUL
إسطنبول/ حمدي دنديرك، كوكجه قره كوسه/ الأناضول
- تُعد من الناحية التاريخية ضمن أقدم 100 مدرسة في تركيا
وسط مدينة إسطنبول، في منطقة الفاتح، تقف مدرسة داود باشا منذ أكثر من خمسة قرون، بعدما بدأت رحلتها التعليمية عام 1485، لتواصل حتى اليوم استقبال الطلاب في مبنى تاريخي تختزن جدرانه ذاكرة أجيال متعاقبة.
من مدرسة ابتدائية عثمانية إلى متوسطة، ثم إلى مدرسة سلطانية وثانوية عامة، عاصرت هذه المؤسسة التربوية حروبا وزلازل وتحولات كبرى في نظام التعليم، محافظة على تقليد تعليمي يعود إلى القرن الخامس عشر.
وتقع المدرسة داخل مجمع داود باشا الذي أنشأه الصدر الأعظم قوجه داود باشا، أحد أبرز رجال الدولة في عهد السلطان بايزيد الثاني، وبدأت مسيرتها بصفتها مدرسة للذكور، وهو نمط من المدارس الابتدائية العثمانية المخصصة لتعليم الأطفال.
عُرفت عبر تاريخها بأسماء مختلفة، بينها مدرسة داود باشا الحجرية ومدرسة نازبرور للإناث، وكانت جزءا من الوقف الذي أسسه داود باشا، ضمن مجمع ضم عددا من المنشآت التاريخية، بينها مسجد وحمام ومدرسة دينية وضريح مؤسس المجمع.
والسلطان بايزيد الثاني هو ثامن سلاطين الدولة العثمانية، وحكم البلاد بين عامي 1481 و1512، وهو الابن الأكبر للسلطان محمد الفاتح.
صورة : Arif Hüdaverdi Yaman/AA
أضرار جراء زلزال
ومع التغيرات التي شهدها نظام التعليم العثماني في القرن التاسع عشر، تحولت المؤسسة عام 1847 إلى مدرسة رشدية (متوسطة)، وهي مرحلة تعليمية حديثة نسبيًا في النظام العثماني كانت تقع بين التعليم الابتدائي والثانوي.
وفي عام 1891 حملت المدرسة اسم الرشدية المركزية، وكان من بين من عملوا مدرسين فيها أحمد كمال باشا، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير المعارف.
لكن تاريخ المدرسة لم يكن منفصلًا عن الأحداث الكبرى التي ضربت إسطنبول، ففي زلزال إسطنبول الكبير عام 1894 تعرض مبنى المدرسة لأضرار جسيمة.
وتضرر معظم المبنى، باستثناء الجدار المطل على الشارع، فأعيد تشييده عام 1897 بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني، وتحت إشراف وزير المعارف أحمد زهدي باشا، في مبنى حجري مؤلف من ثلاثة طوابق.
وفي عام 1913، أخذت المدرسة صفة "مدرسة سلطانية"، وهو نمط من مؤسسات التعليم الثانوي في أواخر العهد العثماني.
وبعد سنوات قليلة، ارتبط تاريخها أيضًا بالحرب العالمية الأولى، إذ أرسلت نحو 60 من طلابها إلى جبهات القتال، كما استُخدم مبنى المدرسة مستشفى خلال حرب البلقان في بدايات القرن العشرين.
صورة : Arif Hüdaverdi Yaman/AA
من العهد العثماني إلى الجمهورية
لم تتوقف التحولات في مسيرة المدرسة مع نهاية الدولة العثمانية، فبعد إعلان الجمهورية التركية عام 1923، أعيد تنظيم نظام التعليم، وتغيرت تبعًا لذلك مكانة المؤسسة واسمها.
وفي عام 1924 أصبحت مدرسة داود باشا المتوسطة للبنين، ثم تحولت عام 1955 إلى التعليم المختلط تحت اسم مدرسة داود باشا المتوسطة المختلطة.
وفي عام 1969 ارتقت المؤسسة إلى مستوى المدرسة الثانوية، وحملت اسم ثانوية داود باشا، كما توسعت مساحاتها التعليمية بإضافة مبنى جديد إلى جانب المبنى التاريخي.
وتضم المدرسة اليوم مبنيين، أحدهما تاريخي والآخر شُيد في مرحلة لاحقة، فيما تستمر فيهما المسيرة التعليمية التي بدأت قبل أكثر من خمسة قرون.
صورة : Arif Hüdaverdi Yaman/AA
أسماء في الأدب والفن
ولم تقتصر أهمية المدرسة على تاريخها الطويل، إذ أسهمت خلاله في تخريج شخصيات تركت بصمات في مجالات الأدب والفن والثقافة.
ومن بين الذين تلقوا تعليمهم في المؤسسة في مراحل مختلفة الملحن محمد جلال الدين دده، ومحمد محي الدين سويلن، المعروف باسم خيالي كوجك علي، أحد أبرز فناني مسرح خيال الظل والحكواتية.
وتخرج من المدرسة الملحن وعازف الكمان عبد القادر توره، والرسام رفيق فاضل إبيكمان، ومؤرخ الأدب مصطفى نهاد أوزون، والناشر رمزي بنغي.
وفي مراحل لاحقة، تخرج من المدرسة أيضًا رسام الكاريكاتير أوغوز آرال، والكاتب مرادخان مونغان والفنانة بيران قوطمان.
صورة : Arif Hüdaverdi Yaman/AA
ذاكرة تاريخية مستمرة
وفي حديثها للأناضول، قالت مديرة ثانوية داود باشا، جيدا جاكي أوغلو، إن المدرسة تواصل مسيرتها التعليمية اليوم بنحو 60 معلمًا و1089 طالبًا.
وأضافت جاكي أوغلو: "العمل في مدرسة تاريخية يمنح شعورا جميلا جدا وله متعة خاصة. وكما يتضح من حديقتنا، فإن أجواء المدرسة جميلة جدًا".
ولفتت مديرة الثانوية إلى أن المدرسة تُعد، من الناحية التاريخية، ضمن أقدم 100 مدرسة في تركيا.
وأشارت إلى أن المدرسة تشكل نموذجًا حيًا للمؤسسات التعليمية العريقة التي شهدت أهم التحولات التي مر بها التعليم في إسطنبول نفسها.
صورة : Arif Hüdaverdi Yaman/AA
وأوضحت أنها تحولت من مدرسة ابتدائية داخل مجمع عثماني في القرن الخامس عشر، إلى مدرسة متوسطة وسلطانية، ثم ثانوية في العهد الجمهوري، لتظل محافظة على تقليد تعليمي بدأ قبل أكثر من 500 عام.