إسطنبول/ حمدي دنديرك، وكوكجه قره كوسه/ الأناضول
- تعاقبت على المبنى مؤسسات لتعليم القانون والعلوم وإعداد المعلمين والفنون الجميلة وتصميم الأزياء وتنمية الطفل
- تحولت المدرسة عام 2018 إلى مركز لتعليم الفنون التركية التقليدية بموجب بروتوكول بين وزارتي التربية الوطنية والثقافة والسياحة
ـ تضم المدرسة اليوم مجالين للفنون التركية التقليدية وتقنيات تصميم الأزياء، وتستقبل 60 طالبا سنويا
ـ مديرة المدرسة سيفيلاي أوغوز: المبنى المصنف أثرا تاريخيا من الدرجة الأولى يمنح زائره شعورا بأنه في "متحف يخطف الألباب"
في منطقة الفاتح بإسطنبول، يواصل مبنى مدرسة جغال أوغلو المهنية والتقنية للفنون التركية التقليدية، منذ 152 عاما، أداء دوره التعليمي، شاهدا على تحولات امتدت من تعليم اللغات والقانون والعلوم إلى الفنون التركية التقليدية وتصميم الأزياء.
وشُيد المبنى عام 1874 ليكون مدرسة للغات لموظفي الشؤون الخارجية التابعة للباب العالي (رئاسة الوزراء) في الدولة العثمانية، قبل أن يحتضن على مدى تاريخه مؤسسات تعليمية في مجالات مختلفة.
وتتناول هذه الحلقة من ملف الأناضول "المدارس العريقة" تاريخ المبنى الذي احتضن، على امتداد نحو قرن ونصف، مؤسسات تعليمية متنوعة، قبل أن يستقر دوره اليوم على التعليم المهني في الفنون التركية التقليدية وتصميم الأزياء.
ويُصنف المبنى أثرا تاريخيا من الدرجة الأولى، وسبق أن استخدم في فترات مختلفة مقرا لمدرسة الحقوق، قبل أن يتحول لفترة إلى مختبر الفيزياء والكيمياء التابع لدار الفنون، وهي مؤسسة التعليم العالي الحديثة في الدولة العثمانية.
بين عامي 1909 و1921، استخدم المبنى مقرا لدار المعلمين، ثم تحول بين عامي 1922 و1925 إلى مدرسة الفنون الجميلة العليا.
وخلال تلك الفترة، كان الرسام إبراهيم جالي، أحد الأسماء البارزة في تاريخ الفن التركي، من أعضاء هيئة التدريس في المدرسة.
كما كان الرسامان أليف ناجي ومحمود جودا، وهما من الأسماء البارزة في فنون عهد الجمهورية التركية، من طلاب المدرسة في تلك الفترة.
وفي إطار الحفاظ على هذه الصلة التاريخية، أُنشئت داخل المدرسة ورشتان فنيتان بالتعاون مع عائلتي الفنانين أليف ناجي ومحمود جودا.
وافتُتحت عام 1997 ورشة حملت اسم أليف ناجي، وأخرى باسم محمود جودا عام 2000، ما أتاح للطلاب التعرف عن قرب على تاريخ المدرسة الفني والتعليمي.
في العام الدراسي 1929-1930، انتقل المبنى التاريخي إلى مدرسة إسطنبول الإعدادية للبنات، ثم بدأ استخدامه عام 1940 مقرا لمدرسة جغال أوغلو المسائية للفنون للبنات.
وفي عام 1981، دُمجت المدرسة تحت إدارة واحدة مع ثانوية جغال أوغلو المهنية للبنات، وفق التسمية المستخدمة آنذاك، وواصلت نشاطها في مجال التعليم المهني.
ثم تغير اسم المدرسة في العام الدراسي 1994-1995 إلى ثانوية جغال أوغلو الأناضول المهنية لتصميم الأزياء ومركز تعليم فنون الأزياء.
وفي العام الدراسي 2003-2004، افتتح قسم في المدرسة لتنمية الطفل استنادًا إلى نتائج دراسة لحصر ميول الطلاب المهنية أُجريت على مستوى المنطقة.
وبعد أن خصصت مديرية التربية الوطنية في إسطنبول الطابق الأول من المبنى "د" للقسم المذكور، تم افتتاح حضانة وفصل دراسي تطبيقي للأطفال.
وقدمت الحضانة والفصل التطبيقي خدمات لأطفال الأمهات العاملات في المؤسسات الحكومية، واستمر عملهما من مارس/آذار 2004 حتى عام 2013، من خلال ثلاثة فصول دراسية، يضم كل منها 25 طفلًا، وثلاثة معلمين.

وفي 25 سبتمبر/ أيلول 2018، بدأت مرحلة جديدة في المسيرة التعليمية للمبنى التاريخي، مع توقيع بروتوكول تعاون بين وزارة التربية الوطنية ووزارة الثقافة والسياحة، بهدف نقل الفنون التركية التقليدية إلى الأجيال المقبلة والحفاظ عليها.
وبموجب البروتوكول، تغير اسم المدرسة إلى ثانوية الأناضول للفنون التركية التقليدية المهنية والتقنية، كما جرى فيها افتتاح قسم الفنون التركية التقليدية في العام نفسه.
وفي العام الدراسي 2021-2022، أطلقت وزارة التربية الوطنية على المدرسة اسم حسام الدين ييفليك، وهو أحد أعلام الفنون التقليدية في تركيا.
وهكذا، احتضن المبنى التاريخي خلال تاريخه الممتد 152 عاما أنشطة تعليمية في مجالات اللغات والقانون والعلوم وإعداد المعلمين والفنون الجميلة وتصميم الأزياء وتنمية الطفل.
ويقدم اليوم تعليمًا مهنيًا بهدف نقل الفنون التركية التقليدية إلى الأجيال المقبلة.
وتحافظ المدرسة، التي درّس فيها وتلقى التعليم عدد من الأسماء المهمة في تاريخ الفن، على مكانتها بين المؤسسات التعليمية العريقة في إسطنبول، من خلال الجمع بين الإرث التعليمي والفني الذي راكمته عبر تاريخها والطلاب الذين يتلقون التعليم فيها اليوم.

وقالت مديرة المدرسة سيفيلاي أوغوز، في حديث للأناضول، إن المدرسة المصنفة أثرا تاريخيا من الدرجة الأولى شُيدت عام 1874، وواصلت عبر تاريخها نشاطها التعليمي بوصفها مدرسة للغات، ثم مدرسة للحقوق، ولاحقا مدرسة لإعداد المعلمين.
وأوضحت أوغوز أن جامعة النساء العثمانية والتي كانت تحمل اسم "إيناس دار الفنون"، التي وصفتها بأنها أول جامعة للنساء والوحيدة التي أُنشئت في الدولة العثمانية، انتقلت إلى مبنى المدرسة في العام الدراسي 1916-1917، وواصلت التعليم فيه لفترة.
وأضافت أن المدرسة تحولت إلى مركز للفنون التقليدية التركية في العام الدراسي 2018-2019 بموجب بروتوكول تعاون وقعته وزارتا التربية الوطنية والثقافة والسياحة.
وقالت: "لدينا اليوم مجالان، هما الفنون التركية التقليدية وتقنيات تصميم الأزياء. يلتحق الطلاب بمدرستنا بعد اختيارها وفق نتائج امتحان الانتقال إلى المرحلة الثانوية. لدينا كل عام 30 مقعدًا لكل قسم، أي أننا نستقبل 60 طالبًا سنويًا".
وأضافت: "نحن مدرسة صغيرة، ويبلغ عدد طلابنا بين 160 و170 طالبًا عندما نصل إلى الطاقة الاستيعابية الكاملة".
وأشارت أوغوز إلى أن معلمين متخصصين في المجالين يعملون في المدرسة، التي لا تعاني من أي نقص في الكادر التدريسي.
وأوضحت أن الطلاب يبدأون في الصف التاسع دراسة المواد المهنية المدرجة في المناهج الإطارية التي تحددها الوزارة، وتزداد هذه المواد في الصفين العاشر والحادي عشر.
وفي الصف الثاني عشر، يقضي الطلاب 3 أيام في المؤسسات ضمن برنامج التدريب العملي على المهارات، ويعودون إلى المدرسة يومين لاستكمال موادهم الثقافية.
كما ينظم الطلاب معرضا في الصف الثاني عشر، وفق موضوع يتم تحديده والبدء بالعمل عليه في الصف الحادي عشر.

وقالت أوغوز: "يبدأ العمل في الصف الحادي عشر بتحديد موضوع معين، ثم يُعد طلاب المجالين منتجاتهم المرتبطة بالمجال الذي يدرسون فيه".
وأضافت: "في مجال الفنون التركية التقليدية، يصنع الطلاب أعمالًا في دروس الخط، والتذهيب، والبلاط الخزفي، والمنمنمات، وفن الورق، والزخرفة الجدارية التقليدية".
وتابعت: "أما طلاب مجال تقنيات تصميم الأزياء، فيعدون رسوماتهم، ويضعون قصص تصاميمهم، ثم يجهزون القوالب وينقلونها إلى القماش وينتقلون إلى مرحلة الخياطة".
ولفتت إلى أنه "في الصف الثاني عشر تُعرض الأعمال التي جرى إعدادها. ندعو القناصل إلى معرضنا. وهدفنا الأساسي هو التعريف بثقافتنا أمام العالم والجميع، وجعلها جسرا إلى الخارج".
وأردفت: "فنحن نعرّف بالفنون التركية التقليدية وبماضينا وتراثنا، وفي الوقت نفسه نواكب الاتجاهات الجديدة من خلال مجال تقنيات تصميم الأزياء، ونقدم الأعمال التي تنجزها مدرستنا في المجالين".
وتحدثت أوغوز عن الأجواء التاريخية للمدرسة وما تضفيه على بيئة العمل، قائلة: "لا تشعرون بأنكم تأتون إلى العمل، بل تشعرون، منذ لحظة دخولكم من الباب، وكأنكم أمام متحف يخطف الألباب".
وأضافت: "عندما تنظرون حولكم وتلمسون الجدران الحجرية، وتصعدون السلالم الرخامية، وتعملون في غرف ذات أسقف مرتفعة، وتنظرون إلى السماء من النوافذ الطويلة... تشعرون بالتاريخ بكل تفاصيله. إنه شعور مختلف بالطبع".
وختمت حديثها بالقول: "الزائر إلى المدرسة يشعر وكأن التاريخ عاد به إلى مدرسة اللغات التي تأسست في العصر العثماني. إنه شعور مختلف جدًا. المعلمون يشعرون بالشيء نفسه".
وتابعت: "الجميع هنا لا يأتي إلى العمل فحسب، بل يشعر أنه قادم إلى متحف أو رحلة عبر التاريخ... نشعر بأننا نعيش التاريخ ونحافظ عليه حيا".
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
